حملت خسارة الأرجنتين أمام كرواتيا العديد من المشاهد السيئة بالنسبة إلى الأرجنتينيين، لكن أسوأها طبعاً كان في كل مرة نقلت فيها الكاميرات صورة المدرب خورخي سامباولي. هو كالكثير من مدربي منتخبات الصف الأول الذين سقطوا في شباك حبّهم لبعض النجوم، فرضخوا لإرادتهم على صعيد الخيارات، في ظاهرة جديدة في ملاعب كرة القدم. عادت الأرجنتين وانتصرت على نيجيريا، لكن ميسي هو الذي في الصورة. أمام فرنسا، تكرر الأمر نفسه، وتكرر الحديث عن «سطوة» ليو على سامباولي.

الرفاق لم يرتقوا إلى مستوى مساعدة «البرغوث» (رومان كروشينين ــ أ ف ب)

بات تأثير نجوم الصف الأول في منتخبات بلادهم يتخطى ما يقدّمونه على أرض الملعب من مستوى كروي، فهم أصبحوا شركاء في خيارات المدربين وقراراتهم. كما أن بعضهم لا يمسّ حتى لو كان في أسوأ حالاته، هو أمرٌ عكسته حالات كثيرة قبل مونديال 2018، إلى حالات أخرى ظهرت حتى خلال البطولة. ولا شك في أنه من بين كل المنتخبات الكبرى، فإن أسوأ المتأثرين بخيارات المدرب هو المنتخب الأرجنتيني، إذ بعيداً من خيارات خورخي سامباولي الغريبة بالنسبة الى التشكيلة الأساسية، فإن «فضائحه» على هذا الصعيد بدأت منذ اللحظة التي اختار فيها اللاعبين الـ23 الذين قَدموا للمهمة المونديالية. ماورو إيكاردي، اسمٌ غنيّ عن التعريف في عالم كرة القدم، لكن هداف الدوري الإيطالي لم يكن له أي مكان في تشكيلة سامباولي للمونديال الحالي. أمرٌ صادم فعلاً، لكن إذا عُرف السبب بَطل العجب. إيكاردي استُبعد كرمى لعينَي نجم المنتخب ليونيل ميسي. هذا أقلّه ما أجمعت عليه صحف أرجنتينية عدة، والتي بدأت تكشف العديد من الأمور المستورة التي تحوّل الكلام عنها بمثابة «فشّة خلق» بالنسبة إليها. لكن، للإنصاف، فإن إيكاردي، قد لا يكون «نافعاً» من الناحية التكتيكية للأرجنتين. والموضوع يحمّل أكثر من حجمه، وإلا... لماذا لا يلعب ديبالا؟
طبعاً، قد يكون كلام الصحف حقيقياً أو مجرد إشاعات، لكن لا يمكن إسقاطه من الحقيقة، إذ يبدو غريباً الى حدٍّ بعيد استبعاد لاعب بقيمة إيكاردي الذي تفوّق على كل مدافعي إحدى أقوى البطولات الوطنية الأوروبية على الصعيد الدفاعي. كذلك، لا يمكن إسقاط أي كلامٍ من هذا النوع بالنظر إلى السوابق التي عرفها برشلونة مع ميسي على هذا الصعيد، إذ كما هو معلوم، فإن أي لاعب يريده «البرسا» في صفوفه عليه أن يحظى بموافقة مسبقة من القائد الأرجنتيني. من هنا، ذهب البعض إلى تسمية الأرجنتين بمنتخب ميسي ورفاقه، لكن هؤلاء الرفاق لم يرتقوا إلى مستوى مساعدة «البرغوث» للوقوف على قدميه، بل إن عناصر لازموا مقاعد البدلاء هم أفضل بكثير، إذ ليس هناك تفسير أيضاً لعدم مشاركة باولو ديبالا أساسياً، وكذلك إيفر بانيغا وجيوفاني لو سيلسو. أما التفسير الوحيد ــ بحسب الأهواء التحليلية ــ فهو: ميسي لا يريدهم أساسيين، وهم الذين يبقون الكرة معهم لوقتٍ أطول من أولئك اللاعبين الذين جعلوا من «ليو» محور كل شيء على أرض الملعب. يبقى السؤال المحيّر: ماذا لو لعِب ديبالا؟ فالأخير، أقرب اللاعبين إلى ليو ميسي، من ناحية الأسلوب والأداء، وإن لم نبالغ، فهو الأهم بعد القائد التاريخي لبرشلونة على مستوى القيمة الفنية والسوقية.
وليس بعيداً من الأرجنتين، هناك البرازيل والحاكم الأول فيها نيمار دا سيلفا. الفتى الموهوب، وعلى رغم وصوله إلى الشباك في المباراة أمام كوستاريكا، فإنه لا يبدو في أفضل حالاته خلال كأس العالم الحالية. وربما يفسّر مستواه في المباراة الأولى أمام سويسرا كل هذا الكلام، إذ إن نيمار سقط على الأرض أكثر مما وقف على قدميه، وبدا أنانياً في حالاتٍ كثيرة، وخسر العديد من الكرات في المواجهات الثنائية، تماماً كما حصل في المباراة الثانية. لكن على رغم كل ذلك، بقي على أرض الملعب! إذاً لا يُبدّل نيمار إلا إذا هو طلب ذلك. هذا الأمر بات واضحاً، إذ حتى في المباراة الثانية لم يفكّر المدرب تيتي بالموضوع، على رغم تفاوت مستوى نجمه ووجود نجومٍ آخرين على مقاعد البدلاء، وهو إذ اختار بقرارٍ صحيح سحب ويليان بين الشوطين، فإنه لن يقوم يوماً بإقحام دوغلاس كوستا على الجهة اليسرى إلا إذا غاب الرقم 10 بسبب الإصابة أو الإيقاف. أيضاً هي مسألة غير مستغربة، إذ إن نيمار ترك برشلونة باتجاه باريس سان جيرمان للعب دور الحاكم المطلق. هناك في العاصمة الفرنسية، حكت تقارير عدة عن شروطٍ وضعها البرازيلي على المدرب أوناي إيمري ومنها ما يرتبط بالتشكيلة الأساسية، قبل أن يؤثر في الإدارة ويتمّ الاستغناء عن الإسباني كرمى لعيون نجم الفريق. إذاً هو «الغنج» الذي عرفه نيمار في باريس ينقله معه اليوم إلى البرازيل، وفي حال عدم تدارك تيتي الأمر وضبط لاعبه في مكانٍ ما، فإن الأمور لن تكون على ما يرام، خصوصاً في المواجهات القوية المقبلة. حتى الآن، كوتينيو أفضل من نيمار، ولا يساجل اثنان في هذه الحقيقة. ومن يتابع يعرف ذلك بوضوح. لكن، مباراة المكسيك اليوم قد تكذّب «الغطاس»، وقد يظهر نيمار أيضاً.
المشهد نفسه حضر في منتخب ألمانيا مع الأداء المخيّب الذي قدّمه مسعود أوزيل وتوماس مولر في المباراة الأولى أمام المكسيك، حيث لم يملك المدرب يواكيم لوف الجرأة لاستبدال أيٍّ منهما، بل اختار سحب سامي خضيرة واعتباره «كبش فداء»، في قرارٍ صحيح لكن غير مكتمل ببقاء مولر على أرضية الميدان. وكما هو معلوم، فإن تأثير أوزيل ومولر قوي في المجموعة بحكم شخصيتيهما، وهي مسألة تجعل لوف يفكّر مليّاً قبل أن يتخذ أي قرارٍ بشأنهما، وذلك على رغم المطالبات الكثيرة بعدم إشراكهما كأساسيين بسبب تراجع مستواهما، أقله في آخر موسمين، وهي مسألة أصرّ عليها القائد السابق للمنتخب الألماني لوثار ماتيوس الذي انتقدهما ومدربهما بقساوة ومن دون أي مجاملات. وحتى في إسبانيا، فاحت رائحة تأثير النجوم على مدربيهم، إذ قيل كثيراً إن المدرب جولين لوبيتيغي تقبّل رأي سيرجيو راموس واستبعد ثلاثي تشلسي الفارو موراتا، سيسك فابريغاس، وماركوس ألونسو. مسألة أثارت الكثير من الجدل، خصوصاً أن الأول والأخير يملكان قيمة فنيّة، لكن ربما أراد لوبيتيغي إرضاء نجم دفاع ريال مدريد، الذي قيل إنه أيضاً كان وراء الطلب إلى رئيس النادي الملكي فلورنتينو بيريز التعاقد معه، ليدفع الثمن غالياً لاحقاً. الآن، خرج ميسي، وخرج رونالدو أيضاً. هل ما جديد تحت الشمس؟