كل العيون على مبابي، وبوغبا. أحياناً على غريزمان وجيرو. لكن الذي ظهر من حيث لا يدري اللاعبون الأرجنتينيون هو بافار، الظهير الأيمن الذي لم يكن يعرفه أحد قبل بداية كأس العالم في روسيا. سدد الكرة «على الطّاير». لم يتردد. لم يحتج إلى الثقة لتسجيل هدف قد يكون الأجمل حتى الآن في البطولة. في الجهة المقابلة، يمتلك المدرب ديديه ديشان في تشكيلته ظهيراً أيسر من طراز عالٍ: لوكاس هيرنانديز ظهير نادي أتلتيكو مدريد الإسباني الذي «صنعه» المدرب المميز الأرجنتيني دييغو سيميوني. لمَ الحديث عن الأظهرة؟ يعتبر اليوم مركزا الظهير الأيمن والأيسر، من بين أهم المراكز في لعب كرة القدم «الحديثة». صعودهما ومشاركتهما في العملية الهجومية دائماً يعطي إضافة إلى هذا المنتخب أو ذاك. في المباراة الأولى من دور الـ16 بين المنتخبين الفرنسي والأرجنتيني، يمكننا ملاحظة الفارق «الكبير» بين جودة خط دفاع المنتخبين. فلا يمكن لخورخي سامباولي أن يخوض مباراة بمثل هذه القوّة، بظهيرين كميركادو «المعدوم» وتاليافيكو. طبعاً مع الأخذ في الاعتبار العيوب الأخرى التي حرمت ليو ميسي من أن يكون في الدور الربع نهائي (عدم إدخال ديبالا، أغويرو، لو سيلسو). لكن الأمر الذي أحدث الفارق للمنتخب الفرنسي، هو الظهيران لوكاس وبافار. الهدفان اللذان سجّلهما المنتخب الفرنسي (بافار ومبابي توالياً)، جاءا عبر كرات عرضية من لوكاس هيرنانديز الذي وجد نفسه وحيداً في كل مرّة قرر فيها إرسال عرضية داخل منطقة الجزاء، من دون أن يجد مقاومة من الظهير ميركادو. على الجهة الأخرى، رأينا ظهيراً «متوتراً» لا يعرف كيف يخرج بالكرة من منطقة الجزاء. ظهير نادي أياكس أمستردام تاليافيكو.

كما حال المنتخب الفرنسي، تمتلك المنتخبات الأخرى المتنافسة ظهيرين في الخلف، يجيدان اللعب الهجومي والدفاعي. على سبيل المثال، المنتخب الكرواتي الذي يعتمد في شكل كبير على ظهيره الأيمن وظهير نادي أتلتيكو مدريد فرسايكو، الذي يعتبر أفضل ظهير أيمن في العالم في الوقت الحالي برأي الكثيرين، نظراً لانتظامه الدفاعي وقدرته على المؤازرة في الهجوم. وعلى الجهة الأخرى نجد سترنيتش. الظهير الذي وقّع معه نادي ميلان الإيطالي قبل بداية المونديال قادماً من سامبدوريا. مدافع قوي البنية ويعرف واجباته الدفاعية، وأهم من كل هذا، يعرف كيف يمرر الكرة إلى زملائه ويخرج الكرة من منطقة فريقه. هل لا يتوافّر هذان المركزان لدى سامباولي ولدى الأرجنتين؟ نتحدث عن بلاد كرة القدم التي أنجبت أساطير عدة ولاعبين كباراً. أنجبت خافيير زانيتي الظهير للمنتخب الأرجنتيني ولنادي إنتر الإيطالي. وكذلك خوان بابلو سورين الذي يتذكّره الجميع في مونديال 2006. أسماء لم تعد قادرة الأرجنتين على إنجاب مثيل لها. وهذا أمر محزن لجميع عشاق كرة القدم ولجمهور وشعب الأرجنتين الذي لا يوجد جمهور مثله وبمثل الحماسة التي قدّمها في مباراة فرنسا الأخيرة. سؤال آخر: لماذا استبعد سالفيو، على رغم أنه كان «أرحم» الأظهرة في التشكيلة الأرجنتينية؟ ما الذي يمنع سامباولي من الاعتماد على أنسالدي؟
المشكلة ليست «أرجنتينية» حصراً. فقد أصيب داني ألفيس مع البرازيل، داني ألفيس خارج المونديال. وأصيب دانيلو خلال الدور الأول. ولكن لا مشكلة بالنسبة لتيتي والبرازيل. ظهير نادي كورنثيانس، فاغنر كان على الموعد. قليل الأخطاء وكثير التمرير. ظهير «عصري» من الممكن أن يكون المونديال بمثابة بوّابة له لينطلق إلى الساحة الأوروبية. في السنوات الماضية، كانت الفرق دائماً تعتمد على اللاعبين في المقدمة، إلاّ أن هذا لا ينفي قيمة الظهيرين في عالم كرة القدم الحديثة. من منّا ينسى العلاقة المميزة والتفاهم الذي كان بين ليونيل ميسي وداني ألفيس في برشلونة. الآن ميسي ينظر خلفه فيجد ميركادو. التفاهم الواضح والعالي الذي شاهدناه بين ميسي وجوردي ألبا، أحد أفضل الأظهرة في العالم، في الموسم الماضي، كان عاملاً مؤثراً في نجاح الفريق الكاتلوني في الفوز ببطولة الدوري والكأس. طريقة لعب ميسي تعتمد على وجود ظهيرين يعرفان معنى كلمة «مساحة» ليركضان إليها ويجدون تمريرة «لا بولغا» جاهزة أمام أقدامهم. من سيقوم بهذه الأدوار؟ لا ميركادو ولا تاليافيكو يمكنهما القيام بنصف ما يقوم به ألفيس أو جوردي ألبا.
كرة القدم كما غيرها من الرياضات، تتطوّر مع الزمن. وتتطوّر فيها عادات وأفكار كانت تستخدم في الماضي لتحل مكانها طرق لعب جديدة. وأفكار «يدرّجها» مدرّبون جدد، كغوارديولا، وفكرة اللعب من دون مهاجم (رأس حربة)، ككرويف والكرة الشاملة والـ«تيكي تاكا». كمورينيو وخطة «وقوف الباص» التي دائماً ما كان يعتمدها في مبارياته. فكرة خبيثة، لكنها تظل فكرة «ناجعة» أحياناً، والدليل هو سيميوني وارث مورينيو «بالحيا»! كل هذه الأفكار كانت من بينها الفكرة الأبرز في الوقت الحالي: الظهيران العصريان، الأيمن والأيسر. ومن يفتقد هذين المركزين يصبح من الصعب عليه صناعة اللعب والهجوم. اليوم الظهير عنصر مهم، بل أهم من قلبي الدفاع. وهذا ما شاهدناه في مباريات المنتخب الألماني والأرجنتيني.