قمة بعناوين كثيرة كانت أمس في سان بطرسبورغ. يكفي القول إنها مباراة نصف نهائي مونديال روسيا. يكفي القول إنها بين فرنسا وبلجيكا الجارتين اللتين تجمعهما اللغة المشتركة. يكفي القول إن تييري هنري هنا. من كان في 1998 يرفع كأس العالم في ملعب «سان دوني» بقميص «الديوك» ها هو الآن في الجهة المقابلة بقميص بلجيكا مساعداً للمدرب الإسباني روبرتو مارتينيز، كم هي غريبة ومتقلّبة هذه الكرة. يكفي القول إن مواجهات ثنائية عدة في المباراة تجمع بين كيليان مبابي وإيدين هازار، وأنطوان غريزمان وكيفن دي بروين، وأوليفيه جيرو وروميلو لوكاكو، وهوغو لوريس وتيبو كورتوا. يكفي القول إن المنتخبين أطاحا في طريقهما إلى هذا الدور كبيرا كرة أميركا الجنوبية: الأرجنتين بالنسبة لفرنسا في دور الـ16، والبرازيل بالنسبة لبلجيكا في ربع النهائي، وهذا وحده يكفي ليكون تصميم الطرفين كبيراً لعدم تضييع ما تحقّق ومواصلة الطريق نحو نهائي موسكو ومن ثم منصة التتويج.

دخل اللاعبون أرض الملعب. الأنظار على هنري طبعاً الذي يتّجه نحو زميل الأمس مدرب «الديوك» الحالي ديدييه ديشان. يتعانقان ومن ثم يصافح الجميع على مقعد البدلاء الفرنسي.
العواطف تنتهي ويبدأ الجدّ في الميدان. دقائق أولى طغى عليها الحذر وهذا طبيعي في مباراة نصف نهائي كأس العالم. هذا المشهد استمر حتى الدقيقة 15 عندما لعب دي بروين الكرة لهازار فسددها الأخير لكنه لم يصب المرمى.
كأن بهذه الكرة حرّكت المياه الراكدة فارتفع نسق المباراة وتعدّدت المحاولات نحو المرميين. شيئاً فشيئاً بدأ الفرنسيون يسيطرون على زمام الأمور. نغولو كانتي يقطع الكرات وبوغبا يمررّها وغريزمان يتحرك على حدود المنطقة البلجيكية ومبابي يقدّم الهدايا لجيرو الذي يرفضها. في المقابل كان هازار يبالغ في المراوغة والاحتفاظ بالكرة، فيما دي بروين يحاول عبر تمريراته من دون جدوى. هكذا، فرض الفرنسيون شخصيتهم لكن هجماتهم قابلها تمركز بلجيكي في الدفاع وتحديداً حارس متيقّظ هو كورتوا. هذا ما بدا واضحاً في الفرصة الأكثر خطورة في الشوط الأول في الدقيقة 39 بعد تمريرة ساحرة من مبابي إلى بنجامان بافار الذي يسدّد بمواجهة كورتوا إلا أن الأخير يتعملق بإبعادها حارماً «الديوك» من هدف محقّق.

عاد الفرنسيون إلى المباراة النهائية للمرة الأولى منذ 12 عاماً


خلال 45 دقيقة في الشوط الأول لم ينجح أي من المنتخبين في التسجيل، لكن الوصول إلى الشباك في الشوط الثاني لم يحتج إلا إلى 6 دقائق فقط. ففي الدقيقة 51 حصلت فرنسا على ركلة ركنية نفّذها غريزمان ليلحق بها صامويل أومتيتي قبل مروان فيلايني ويتابعها برأسه في مرمى كورتوا. في الأثناء، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحتفل في المقصورة الرئيسية في الملعب وإلى جانبه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم السويسري جياني إنفانتينو ورئيس الاتحاد الفرنسي للعبة نويل لو غراييه.
ضغطت فرنسا بعدها ومجدداً يقدّم مبابي هدية لجيرو وهذه المرة بحركة فنية رائعة وتمريرة بالكعب بحرفنة إلا أن مهاجم تشلسي تباطأ في تسديدها وتدخّل موسى ديمبيلي ليبعدها (56).
البلجيكيون يعتمدون على الكرات العرضية. من إحداها في الدقيقة 65 يرتقي فيلايني عالياً ويسدّد الكرة برأسه تمرّ قريبة من القائم الأيسر.
الدقائق تمرّ سريعة على بلجيكا. المباراة تصبح صعبة أكثر. إنها الدقيقة 80. أكسل فيتسل يجرّب حظّه بتسديدة قوية من خارج منطقة الجزاء إلا أن لوريس يبعدها.
الجمهور الفرنسي يرقص في المدرجات. لا جديد بارز في الدقائق التالية باستثناء تسديدة البديل كورونتان توليسو التي أبعدها كورتوا في الوقت بدل الضائع، ليطلق الحكم بعدها صافرة الختام.
حكاية نصف النهائي الأول لمونديال روسيا انتهت. ستنتقل الحكاية إلى فصلها الأخير بالنسبة لفرنسا في نهائي موسكو. عاد الفرنسيون إلى المباراة النهائية للمرة الأولى منذ 12 عاماً. بعد أربعة أيام سيكتبون عنوان حكايتهم، فهل سيكون بأحرف من ذهب؟
هكذا، فازت فرنسا وخسرت بلجيكا، لكن الأكيد أن هنري لم يغادر الملعب حزيناً.