فرنسا في النهائي. فرنسا ديديه دشان «العنيد» وصلت إلى أبعد ما كان متوقّعاً منها. سيلتقي منتخب «الديوك الفرنسية» في المباراة النهائية بكرواتيا أبرز المنتخبات التي فاجأت العالم ببلوغ النهائي، كرواتيا التي لديها مهاجم «صلب»، هو ماندزوكيتش. وإن كانت أفكار داليش الذي يدير الفريق الكرواتي واضحة، فإن الحديث دائماً ما يدور حول أفكار المدرب الفرنسي وكيفية تطبيقها على أرضية الملعب. لكن هذه الأفكار، على رغم من بعض الاعتراضات عليها وعلى طريقة اللعب التي يتّخذها ديشان، إلا أنها أوصلت فرنسا إلى آخر محطة في قطار موسكو. يمكننا أن نتغاضى عن كثير من الأمور التي اعتمدعا ديشان خلال المونديال. طريقة اللعب الدفاعية، عدم صعود الظهيرين بشكل متواصل وتحفظهما الدفاعي التام، وأشياء أخرى. غريزمان هو الأكثر انسجاماً: التعليمات التي كان يتلقاها في أتلتيكو مدريد من مدربه سيميوني، تلقاها اليوم أيضاً في فرنسا. على سبيل المثال، عدم المبالغة في الهجوم والاهتمام بالدفاع كهدف أساسي. كلها أمور يمكن التغاضي عنها. ففرنسا وباعتمادها مثل هذه الطرق، والتي نعتبرها «ناجحة» إذا صح التعبير، وصلت إلى النهائي، وتخطت المنتخب البلجيكي أحد أبرز المنتخبات في النسخة المونديالية الروسية. لكن تبقى فكرة، لم ولن يفهم أحد، لماذا الإصرار الكبير من قبل ديشان عليها. أوليفييه جيرو.

بدأت المباراة النصف نهائية بين فرنسا وبلجيكا. نرى على الجانب البلجيكي إيدين هازار وكيفن دي بروين، بالإضافة إلى «الدبابة» روميلو لوكاكو. يقوم الثلاثي بدوره بشكل منتظم ويطبّق أفكار مدرّبه روبيرتو مارتينيز. عندما نشاهد المباراة، نلاحظ التفاهم العالي بين ثلاثي الدوري الإنكليزي. تارة هازار يكون على الجهة اليمنى، وفي فرصة بلجيكية أخرى نلحظ بأن دي بروين قد أخذ مكان هازار. تفاهم مميّز بين اللاعبين البلجيكيين، أوصلهم إلى هذه المرحلة من البطولة. على الجهة المقابلة، نرى الأمر عينه بين كل من كيليان مبابي وغرزيمان. يتبادلان المراكز وينطلقان بالكرة، صانعين بها «هجمة» منظّمة. تشعر بأن الهدف سيأتي، وفي النهاية تصل إلى الكرة إلى جيرو. تعلمون بقية القصّة هنا. جيرو يهدر كثيراً ولا يراوغ جيداً. في الواقع، شارك مهاجم تشلسي في كل مباريات المنتخب الفرنسي حتّى الآن في بطولة كأس العالم. ما هي إحصاءات المهاجم «رقم9» في المنتخب الذي بلغ النهائي؟ لم يسجّل جيرو خلال ست مباريات لعبها في المونديال. لكنّ بصمته كانت حاضرة: صنع هدفاً وحيداً! خلال المباراة الأخيرة أمام بلجيكا، بتنا نلاحظ بأن الثنائي مبابي وغريزمان في كفّة وجيرو في كفّة أخرى بعيد كل البعد عن الموهوبين. قبل انطلاق المونديال، كان لدى المدرب ديديه ديشان خيارات عدّة في مركز رأس الحربة، من ألكسندر لاكازيت، إلى وسام بن يدر لاعب إشبيلية (صاحب الأصول التونسية)، وصولاً إلى أهم رأس حربة فرنسي في العالم، المهاجم كريم بنزيما. الأخير، لم يلعب مع المنتخب الفرنسي منذ نحو ثلاث سنوات. والسبب يعود إلى التهمة التي «لفّقها» له الاتحاد الفرنسي والتي تقتضي بابتزاز كريم للاعب فنربخشه التركي الحالي مارسيليا السابق ماتيو فالبوينا. مع الوقت تبيّن أن الجزائري الأصل بريء من كل ما لفّق له، لكن الأمر انعكس سلباً على موقعه في المنتخب الوطني. لنفترض بأن بنزيما اليوم ضمن التشكيلة الفرنسية بدلاً من «الديك» أوليفييه جيرو، هل كان سيعطي الإضافة؟ الإجابة ستكون نعم. أسباب الإجابة واضحة. فنياً، يعتبر كريم بنزيما أفضل بكثير من جيرو، بل وأسرع منه، فقد لاحظنا في كثير من المناسبات عدم تمكّن جيرو من الوصول إلى الكرة بسبب بطئه الشديد (كرتان من مبابي لجيرو في مباراة بلجيكا الأخيرة). كما أن بنزيما، وفي مشاركاته السابقة مع المنتخب، أثبت أنه يتمتع بشخصية قوية.

يعتبر بنزيما أفضل بكثير من جيرو من الناحية الفنية وأسرع منه


من جهة أخرى، يمتلك ديشان خيارات أخرى في الهجوم مع الأخذ بعين الاعتبار بأنه لا يحب كريم لأسباب «مجهولة». وسام بن يدر الذي قدّم موسماً جيداً مع فريقه إشبيلة، كان جديراً بأن يكون المهاجم الفرنسي الأول على حساب جيرو. وربما لا يحبّه ديشان لذات الأسباب التي لا تجعله يرفض بنزيما. لاعب آخر أيضاً لم يقدّم المطلوب منه مع آرسنال في أول مواسمه في «البرمييرليغ»: ألكساندر لاكازيت. وإذا كان المعيار هنا هو الأداء في عدم استدعاء «لاكا لاكا» كما يطلقون عليه، فلماذا قام ديشان باستدعاء جيرو؟ هل قدّم جيرو موسماً مع تشلسي أو حتى في فترته مع آرسنال أبهر فيها الجميع ليصبح ضمن التشكيلة الأساسية الفرنسية في روسيا؟ إذاً المعيار هنا ليس الأداء العالي والمميز. ما هو المعيار؟ الإجابة عند ديشان الذي ومن الواضح أنه يحب المهاجم الفرنسي على نحوٍ غريب. لا يمكننا أن ننكر أن لجيرو أدواراً أخرى يراها فيه المدرب، كحماية الكرة والحفاظ عليها مستغلاً بنيته الجسدية، بالإضافة إلى نجاحه في الفوز بالثنائيات الهوائية. لكن لنا أن نتخيّل وجود كل من مبابي و غريزمان إلى جانب بنزيما في المقدّمة. سيكون الخط الأمامي لفرنسا حينها من بين أفضل خطوط الهجوم بين منتخبات كأس العالم. فكريم لديه القدرة على التناغم مع كل من الثنائي بسبب إمكانياته الفنية التي يملكها.
لكن ديشان لا يكترث للفنيات ويجلس نبيل فقير على دكة البدلاء. ونبيل هو أحد أفضل اللاعبين الفرنسيين الموسم الماضي مع ناديه ليون. استغلال اللاعب الفرنسي الجزائري الأصل كان ممكناً أيضاً، مع تحويل مركز كيليان مبابي إلى مركزه الأصلي مع فريقه السابق موناكو كرأس حربة، حيث يمكن أن يلعب كل من غيرزمان وفقير خلفه مباشرة لتصبح من أفضل التوليفات في الخطة الفرنسية. لكننا لسنا بديشان، ولسنا مدرّبين، ربّما يكون فعلاً جيرو مهماً لهذه المجموعة أكثر من بنزيما وفقير وبن يدر وغيرهم، خصوصاً مع اتباع حامل لقب كأس العالم 1998 لطريقة لعب لم نعتد عليها مع المنتخب الفرنسي في هذه النسخة الروسية من المونديال. يبقى السؤال الحاسم... هل «ينفع» جيرو أمام كرواتيا؟