قبل خمس سنوات، دخلت محافظة البقاع إلى عالم الدرجة الأولى في كرة القدم من بوابة بلدة صغيرة فيها هي النبي شيت. تأهل فريقها الى الدرجة الأولى، ليتمثّل البقاع للمرة الأولى في تاريخه في دوري الأضواء. حينها، راهن كثيرون على أن هذه «الشمعة الكروية» التي أضيئت، في محافظة تعاني من الحرمان، ستتحوّل الى شعلة تنير سماء البقاع. لكن لم يكن أحد يتوقع أن الشمعة ستكون يوماً ما مهددة بأن تنطفئ جراء غياب الدعم. تعِب «أهل البيت» البقاعي، وأصبح الجميع ينتظر المؤتمر الصحافي لإعلان الإنسحاب، بعدما جرى تغيير الإسم ليصبح نادي البقاع. كانت خطوة على طرق تحوله الى نادٍ على «مستوى المحافظة»، أملاً بتحرّك أهلها، ودعم النادي. لكن حتى الآن، لا فائدة. هل يحصل الاختراق؟

«تعِبت. 10 سنوات من العمل ولم نتقدم خطوة واحدة». كلمات تحمل في طياتها الكثير من الإحباط الذي يشعر به رئيس نادي النبي شيت أحمد الموسوي، حين تسأله عن واقع ناديه والأسباب التي أوصلته إلى الابتعاد وترك النادي. نخبره أن السنوات العشر التي عمل فيها شهِدت تقدماً، فبمجرد وصول النبي شيت الى الدرجة الأولى وتحوّله بعد سنتين من صعوده الى رقم صعب في المعادلة الكروية، وأن هذا بحد ذاته إنجاز، فيجيب: «صحيح، لكنه لم يكتمل بسبب عدم تفاعل الجمهور البقاعي مع هذا الإنجاز». نسأله عن الأسباب، فيبدو موضوعياً وعارفاً بأزمة البقاع من ألِفها إلى يائها. يقدم وجهة نظر أمنية، ولكنها في بعدها الأساسي اجتماعية ــ اقتصادية، وتتخطى الحدود الكروية والرياضية لتلامس واقع البقاع، وتحديداً محافظة بعلبك الهرمل التي تنتمي إليها بلدة النبي شيت. فالتأهل «الإنجاز» قبل خمس سنوات رافقه عدد من الظروف المحيطة التي أثرت على استثمار هذا الإنجاز وتطويره والاستفادة منه. «البداية كانت مع الأوضاع الأمنية السيئة على الحدود ووجود التكفيريين والمعارك التي خيضت لطردهم عبر تضحيات وجهود مقاومين يعتبر البقاع الخزان الأكبر لهم. هذه الأوضاع أدت الى ظروف اقتصادية سيئة جعلت في أولوية الناس في البقاع التخلص من هذا الخطر المتربص على الحدود، الى جانب السعي لتأمين لقمة العيش»، يقول الموسوي. ثم يعود ويشرح بهدوء. لم تكد المنطقة ترتاح من الخطر حتى دخلت في دوامة الوضع الأمني السيئ السائد والذي يؤثر بشكل كبير على حياة البقاعيين، حيث لا يكاد يمر يوم دون أن تسمع بحدث أمني كبير من قتل الى سقوط جرحى وإطلاق نار. كل هذا يجعل الناس على مستوى السياسيين يهتمون بالجانب الأمني على حساب أي شيء آخر. لكن في النهاية... «قد يدفع النادي ثمن عدم حماسة إن لم نقل أكثر من ذلك، فيضيع كل ما تم تحقيقه خلال سنوات».

يؤكد الموسوي أن لا بديل من الحل الاقتصادي والاجتماعي


لكن لماذا يشكّل نادٍ رياضي كروي أهمية لمحافظة تعاني ما تعانيه على صعيد الحرمان والوضعين الاقتصادي والأمني السيئين؟ ينطلق الموسوي من الواقع الأمني السيئ وأسبابه معتبراً أن أغلبية الحوادث التي تسبب خللاً أمنياً هي من الشباب العاطلين من العمل ووجودهم في بؤر فقيرة، بلا أي أمل، ولا أي فرص حقيقية بالحصول على حياة كريمة... «والرياضة بكل بساطة تبعد هؤلاء الشباب عن هذه الأزمات»، تنسيهم قليلاً. في الواقع، وحسب الموسوي، مدينة بعلبك تشهد أحداثاً أمنية متكررة، لكنها الأقل اهتماماً بالرياضة وتحديداً كرة القدم التي هي الأكثر جذباً للشباب، رغم أنها تملك أهم مدينة رياضية في المنطقة. ولو كان فيها نادٍ رياضي على مستوى عال ومدعوم من جميع الفئات في بعلبك لكان الوضع أفضل، حسب الرئيس المستقيل.
في النبي شيت، مئات من الأولاد في مختلف الفئات العمرية، يأتون دورياً ليلعبوا كرة القدم. يحلمون بالاحتراف. ولو جرى تعميم هذه الفكرة على نحوٍ أوسع، فلا شك أن الانعكاسات الإيجابية ستكون كبيرة. حين يأتي الأولاد من أعمار 8-10-12 سنة ويصلون الى عمر 15-16 سنة ويترددون بمعدل يومين أو ثلاثة ايام في الأسبوع إلى النادي لممارسة كرة لقدم، فحينها سيفرغون طاقتهم ويشبعون شغفهم، بدلاً من الفراغ الذي لم يُترك لهم سواه، في ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة، والحرمان التاريخي. وهذه وجهة نظر على حافة الصواب، إذ إنه لا بديل من الحل الاقتصادي والاجتماعي. للموسوي مقاربة تنطلق من بيئته: «الشباب في بعلبك يبدأ بالأركيلة، ومن ثم الدخان ومن بعده المخدرات التي تجرّهم الى المشاكل فيتحولون الى عبء على المجتمع. وهذا موجود في معظم بلداتنا البقاعية، التي تضم شباباً عاطلين من العمل ولا يملكون الإدراك الصحيح لمعنى الانتماء الى المجتمع». وطبعاً، لا يقصد الموسوي التعميم، إنما يتحدث عن ظواهر ناجمة عن الإمعان في «تفقير» البقاعيين. يعتبر أن الرياضة هي جزء من الحل، ولذلك ينادي بدعمها، كجزء من مشروع طويل وعميق لعلاج أزمات المنطقة: «الأولاد الذين يمارسون كرة القدم في النبي شيت مثال للأدب والعلم نتيجة تفريغ طاقاتهم في المكان الصحيح. فالاهتمام بالرياضة هو المفتاح الأساس لمعالجة المشاكل الاجتماعية التي عاناها البقاع على نحوٍ مباشر». ولدعم وجهة نظره، يتطرق الموسوي إلى «التجربة الألمانية كمثال على ذلك، حيث إن الاهتمام بالرياضة كان من أسباب تطور المجتمع وتحوّله الى مجتمع صناعي منتج هناك».

الاهتمام بالرياضة هو المفتاح الأساس لمعالجة المشاكل الاجتماعية التي عاناها البقاع


كل ما يطلبه الموسوي أن يكون هناك اقتناع وتفاعل حقيقي من الفاعليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البقاع بأهمية الرياضة «حيث تذهب الى شخص مقتنع بأهمية المشروع وتحاول الاستفادة من قدراته، لا أن تبذل مجهوداً لإقناعه بالفكرة». لا يخفي الموسوي سراً حين يتحدث عن تعب حقيقي قد يدفعه الى إنهاء المشروع الذي بدأ قبل عشر سنوات إذا لم يلقَ الدعم المطلوب على جميع الصعد. هذا لا يعني إقفال النادي وبيع الرخصة كما قيل الموسم الماضي: «لن أبيع الرخصة ولو بمليون دولار. فالنادي سيستمر بالفئات العمرية ويبقى مفتوحاً أمام الأولاد الصغار الذين هم خط أحمر وأمل المستقبل». لكن البقاع كله، وليس النبي شيت، ينتظر الكثير منذ وقتٍ طويل.



مسؤولية الجميع
لم يكن سهلاً على رئيس نادي النبي شيت سابقاً أحمد الموسوي أن يغيّر إسم النادي إلى نادي البقاع. رغم ذلك اتخذ القرار، فكانت خطوة الى الأمام لجعل النادي ملك البقاعيين ومعنيين به. هي الخطوة الأولى ضمن سلسلة خطوات ينتظرها المسؤولون عن النادي من الفاعليات المعنية بهذه المحافظة في المقابل لإنقاذ النادي.


يعتبر الموسوي أن محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر كان من أكثر المتعاونين، لكن لا بد من دخول أطراف أخرى. تطول لائحة الأسماء التي دق بابها، من خضر الى نائب حزب الله الدكتور ابراهيم الموسوي، الى رئيس اتحاد بلديات شرق بعلبك جعفر الموسوي، ومسؤول العمل البلدي في حزب الله حسين نمر ورئيس بلدية النبي شيت ابراهيم الموسوي. فمشروع الدعم يقوم على أكثر من عنصر. هناك 77 بلدية من الممكن أن تستفيد من الملعب على مدار السنة، مقابل مبلغ زهيد من كل بلدية هو مليونا ليرة سنوياً، ما يؤمن نحو مئة وأربعين مليون ليرة.
أضف إليها حق بلدية النبي شيت في الحصول على مبلغ مئة مليون ليرة من المحافظة نظراً إلى وجود نادٍ في الدرجة الأولى. بالنسبة إلى النائب الدكتور ابراهيم الموسوي، فبرأيه أن «غياب الرؤية الاقتصادية من الدولة تجاه البقاع هي من أسباب المعاناة التي يعيشها البقاعيون». يدافع الموسوي عن حزب الله، الذي يمثّل المنطقة نيابياً منذ قيام «الجمهورية الثالثة»، ويدافع كذلك عن عائلته: «النادي الذي قام على سواعد عائلة الموسوي، وتحديداً أحمد حسين الموسوي وأحمد علي الموسوي، الذين صرفوا من اللحم الحي، أصبح يحتاج الى دعم.
لكن في غياب السياسة التنموية الثقافية الرياضية، تصبح الأمور صعبة جداً». برأيه «منطقة البقاع بأكملها في أزمة، والناس يحتاجون الى أساسيات العيش، وحزب الله لا يستطيع الضغط أكثر على الفاعليات كي تدفع، المسؤولية تقع على عاتق الدولة، وخصوصاً أن الرياضة هي المكان الصحيح للإستثمار».
هذا لا يعني أن النائب البقاعي سيقف متفرجاً. ذلك أن هناك العديد من الخطوات ستتخذ لتأمين التمويل الذي يساعد على بقاء النادي واستمراريته.
في بلدية النبي شيت، لا تبدو الأمور قادرة على الذهاب أبعد من الدعم المعنوي، رغم أن رئيس البلدية ابراهيم الموسوي مؤمن بأن نادي النبي شيت هو منارة رياضية في منطقة البقاع التي تعاني ما تعانيه من مشاكل. يعتزّ الموسوي بما حققه نادي البلدة، لكنه يأسف لعدم القدرة على تقديم الدعم المادي... «فالحمل كبير، والبلدية إمكاناتها متواضعة، والمتطلبات الأخرى ضاغطة، كما أن «رأس المال» لا يكترث للحلول الاجتماعية والاقتصادية، ولا يهتم إلا بمضاعفة أرباحه».


«فاعليات» قادرة على الدعم
قد يكون مستغرباً أن يعاني المسؤولون عن نادي النبي شيت سابقاً والبقاع حالياً لتأمين الدعم المادي في ظل وجود «كوكبة» من المؤسسات التجارية الكبيرة وعدد من الفاعليات الاقتصادية في محافظة البقاع. فمنطقة شرق بعلبك تضم عدداً من المؤسسات كمستشفى العبدالله لصاحبها الدكتور محمد العبدالله في رياق، ومستشفى دار الأمل في بعلبك لصاحبيها الدكتورين ركان وعلي علام، إضافة الى معمل «ليبان ليه» ومؤسسات الدكتور عبد الرحيم مراد ومعمل «ماستر تشيبس» ومصانع آل الديراني الضخمة للمواد الغذائية في قصرنبا. هناك أيضاً مصانع «باندا بلاست» لصاحبها عصام قاسم ومصنع «سومو بلاست» لآل الرياشي.

من الممكن أن يكون للدعم فائدة إعلانية (عدنان الحاج علي)

كل هؤلاء يملكون مؤسسات ومصانع قادرة على دعم نادي البقاع والاستفادة على أكثر من صعيد. فإلى جانب الفائدة الاجتماعية التي تنعكس استقراراً يؤدي الى تحسن اقتصادي، من الممكن أن يكون للدعم فائدة إعلانية لتلك المصانع. فنادي النبي شيت يلعب في بطولة الدرجة الأولى ومبارياته منقولة على شاشة «ام تي في»، وبعضها من ملعب النبي شيت أو ملعب مدينة بعلبك في حال اعتماده. وبالتالي فإن هذا الدعم ووجود إسم المؤسسات على قميص الفريق وعلى جوانب الملعب هو إعلان غير مباشر، وقد يكون بكلفة أقل من وضع إعلان في مؤسسة إعلامية. هناك شخصيات اقتصادية أخرى في البقاع كمعمل «ياسين سيراميكا». صاحبه هو محمد ياسين من مجدل عنجر. تتصل به وتسأله عن إمكان دعم النادي لما له من أهمية على عدة صعد، لكن تجد لديه برودة في ظل الوضع الاقتصادي من جهة ودعمه لعدد من النوادي في البقاع، وعلى رأسها الشباب مجدل عنجر والحرية مجدل عنجر.
ورغم دعمه لتلك الفرق، إلا أنه لم يحضر مباراة واحدة نظراً إلى انشغالاته. تاجر الماشية المعروف حسين سليمان أيضاً يعيد صعوبة الدعم للوضع الاقتصادي المتردي على نحوٍ كبير عموماً أو على الصعيد الشخصي بعد الخسارة التي لقيها جراء غرق باخرة كبيرة له في البرازيل.
في مكان آخر، يبدو مصطفى الديراني صاحب مصانع الديراني الشهيرة مستعداً لدعم الفريق. فهو مؤمن بأهمية الرياضة وبأن يكون هناك فريق للبقاع، وبالتالي يرغب في مساعدة آل الموسوي لبقاء النادي في الدرجة الأولى.