لم يعد خافياً على أحد أن وضعاً غير طبيعي تعيشه كرة القدم اللبنانية عشية انطلاق الموسم الجديد، فالمعاناة المالية التي تمرّ بها غالبية الأندية تهدد دوري الدرجة الأولى، لا بل مستقبل اللعبة التي تنفّست الصعداء في المواسم القريبة الماضية بعد تطور مستوى بعض الأندية وظهورها بشكلٍ جيّد خارجياً، كما هو حال المنتخب الوطني الذي تأهل إلى نهائيات كأس آسيا 2019. تلويح بالانسحاب من هنا وآخر من هناك، وخروج متوقّع لأندية من دائرة الضوء للسبب عينه، ألا هو غياب الدعم المادي الضروري. وكما هو معلوم فإن الركيزة الأبرز التي تستند إليها أندية كرة القدم اليوم هي المال، فمن لديه القدرة المالية وتالياً الشرائية في سوق الانتقالات، يمكنه فرض حضوره القوي على أرض الملعب ويحصد أفضل النتائج. مسؤول اتحادي ردّد في أكثر من مناسبة بأنه يخشى على مستقبل اللعبة، لا بل يحكي أنه يرى أن أربعة أندية لا اثنين فقط غير قادرة على الوجود في مشوار الدوري، فبرأيه هناك أمور خفيّة لا يعرفها الكل بل كل التركيز هو على ما يحكى في الإعلام من قبل أندية خرجت إلى العلن آملةً أن يحضر منقذ لانتشالها من أزمتها. أزمةٌ بدأت تشعر بها أندية لا تعيش في دوامة القلق أو العوَز حالياً، وهي تُقسّم إلى قسمين: القسم الأول يرتبط بالأندية الطليعية، والتي ترى في خطوات الانسحاب ضربةً فنية لها، وخصوصاً تلك التي تنتظر خوض استحقاقات خارجية، فهي تحتاج إلى خوض تحديّات محليّة جديّة للاستعداد بأفضل شكلٍ ممكن للاختبارات الأصعب، وما تراجع مستوى بعض الفرق المحلية أو انخفاض عدد المباريات سوى نقطة سلبية بالنسبة إليها.

وعند هذه النقطة، توقّف مراقبون للحديث عن مدى التأثير السلبي لانسحاب ناديين اثنين لا أكثر من بطولة الدوري، إذ إن الهبوط إلى الدرجة الثانية لن يكون حاضراً، الأمر الذي يعني تجميد الأندية لتحركها في سوق العرض والطلب، ما يعطّل حركة ضخّ ودوران الأموال بينها. وهنا ستكون النقطة الأخطر وهي تُختصر باتساع الهوة بين فرق المقدمة والفرق الأخرى، ما سيفضي إلى إمكانية ظهور فوارق كبيرة في المستوى العام ونتائج عريضة لبعض المباريات. وهذه النقطة أيضاً مقلقة للعبة عامةً كونها ستترك آثارها السلبية على المستوى العام، ما يعني أن لاعبي المنتخب الوطني لن يكونوا في قمة مستواهم على أبواب أهم استحقاق سيعرفه منتخب لبنان في تاريخ الكرة اللبنانية. أما القسم الثاني فهو يرتبط بالأندية التي تعيش حالة استقرار لكنها ترى أنها بمنأى اليوم عمّا يحصل لكن «الموس» قد يطال رقبتها في وقتٍ ليس ببعيد، وهذه الأندية هي أندية وسط الترتيب، أمثال السلام زغرتا والاخاء الأهلي عاليه، التي عرفت استقراراً داخلياً، ما انعكس استقراراً مالياً وفنياً أيضاً.
الأخاء نفسه سيكون أول المتحركين باتجاه ما يمكن إطلاق عليه «خطوة استباقية - إنقاذية» لتفادي تفاقم الوضع، وبالتالي تضرر اللعبة التي كانت قد بدأت رحلة العودة إلى سابق عهدها. كان واضح في الموسم الماضي ارتفاع معدل الحضور الجماهيري في الملاعب، وسعي الأندية إلى صرف مبالغ كبيرة لإجراء أفضل التعاقدات المحلية والأجنبية الممكنة، إضافةً إلى عملها الدؤوب لإيجاد لاعبين مغتربين مميزين يمكن الاستفادة منهم على صعيد النادي والمنتخب على حدٍّ سواء. ويُنتظر أن يتقدّم النادي الجبلي عبر أمين سره وعضو اللجنة التنفيذية في الاتحاد اللبناني، وائل شهيّب، بكتابٍ رسمي يتضمن مقترحات مختلفة، تهدف إلى ضخّ دماء جديدة في اللعبة ومساعدة الأندية تحديداً لتأمين حاجاتها المالية والاستمرارية. شهيّب الذي لا يحبّذ الكشف عن كل المقترحات التي سيلحظها الكتاب، مفضّلاً اطلاع اللجنة التنفيذية عليها أوّلاً، سيركّز بشكلٍ خاص على الجانب التسويقي، وهو الذي يرأس لجنة التسويق في الاتحاد. وفي هذه النقطة أهمية كبيرة، إذ يقول: «تدفع الأندية للملاعب وللحكام ولديها مصاريف كثيرة ترتبط بالمباريات، لكنها تخرج كل موسم من دون إي إيرادات. لذا علينا العمل على هذه النقطة بشكلٍ جديّ وتفعيل مسألة التسويق للعبة ومن ثم ربط الأندية بها، وذلك لكي تأتيها الأموال من دون ان تكون بحاجةٍ في مكانٍ ما إلى داعمين دائمين كون هؤلاء لا يمكنهم الالتزام دائماً بما يدفعونه موسمياً. من هنا، يُفترض بدء التفكير والعمل حول كيفية إيجاد مصادر تمويل جديدة تفرزها اللعبة بحدّ ذاتها». ويبدو شهيّب جديّاً إلى أبعد الحدود بخصوص ما سيقترحه، فهو يعتبر أن المسألة لا ترتبط فقط بنادٍ أو بآخر «نحن الآن في الأخاء لدينا استقرار إلى حدٍّ ما بالنسبة للوضع المالي، ولو أننا نتعب كثيراً لإيجاد مصادر تمويل، لكن يوماً ما قد نواجه نفس المعضلة التي تعانيها أندية مثل البقاع (النبي شيت) وطرابلس والراسينغ، لذا لا بدّ من خطة إنقاذ قبل أن يصبح الجميع في مرمى الخطر».