كما في المال والأعمال، كذلك في الرياضة، تعتبر إمارة موناكو في جنوب شرق فرنسا الأكثر جَذباً للموهوبين في كرة القدم والاقتصاد. يعتبر الكازينو الواقع في قلب الإمارة المعلم الأكثر شهرةً، كذلك ملاعب كرة المضرب الترابيّة ومعارض السيارات الفارهة. في الإمارة الثريّة تُنظم أيضاً إحدى جولات الـ«فورمولا1» لما لها من عائدات ماليّة هائلة. خلال السنوات الأخيرة برز اسم موناكو في كرة القدم، ملعب لويس الثاني بات وجهة اللاعبين الموهوبين، لاعبون يصفهم الكشّافون بشتلات موناكو التي تزهر لاحقاً في الملاعب الأوروبيّة. «شتلات» اعتنى بها آرسين فينغر في ثمانينيات وتسعينيّات القرن الماضي، وغيرهم اليوم، تحت عناية ليوناردو غارديم.

تختلف طبيعة وفلسفة نادي موناكو لكرة القدم عن باقي أندية الدوري الفرنسي «ليغ1». يعتمد باريس سان جيرمان على قدراته الماليّة الضخمة لاستقطاب اللاعب الذي يريده من أيّ ناد في العالم. بعكسه يعمل نادي ليون الذي يعتمد على أكاديميته التي تُعتبر من الأفضل في العالم بعد أجاكس أمستردام. الأمور تختلف في مارسيليا الذي يلعب معتمداً على نجم أو اثنين إلى جانب مجموعة منسجمة من اللاعبين. في موناكو لم تتغيّر الأمور كثيراً داخل أسوار ملعب لويس الثاني منذ عام 1987، أي تاريخ تولي المدرب الفرنسي آرسين فينغر الإشراف على نادي الإمارة. اشتهر فينغر منذ تلك الفترة بقدرته الكبيرة على تمييز اللاعبين الموهوبين وهم في سنّ صغيرة. جاء بجورج وياه من ليبيريا إلى موناكو، صقل موهبته الكرويّة وباعه بعدها بأضعاف ثمنه. مع ميلان صار وياه أول لاعب افريقي يصبح أفضل لاعب في العالم. استمرّت سياسة موناكو على هذا النحو، فتعاقبت على نادي الإمارة أسماء ذاع صيتها لاحقاً في القارة العجوز، أبرزها تييري هنري وليليان تورام ودافيد تريزيغيه، لاعبون بدؤوا في أندية صغيرة، وبعدها صُقلت مواهبهم في ملعب لويس الثاني، وخرجوا بعد النضوج لإبهار العالم سواء في إيطاليا أو إنكلترا. لم يكن نادي موناكو قادراً على تأسيس أكاديميّة كبيرة خاصة به، حتى أنّه لم يفكر بتطوير قطاع الفئات العمريّة الموجود لديه كما تفعل أندية أخرى بسبب تعرّضه لعقوبات مَنعته من التعاقد مع لاعبين بعمر أقل من 14 عاماً، وبسبب رؤية باتت واقعاً فعليّاً داخل النادي، فكان يتعاقد مع لاعبين في عمر 15 و16 عاماً ولا يزال. لاعبون موهوبون لا يحتاجون للكثير من العمل، وتالياً سياسة موناكو ترتكز على تكثيف عمل الكشافين، على حساب المدربين والأجهزة الفنيّة في النادي، للظفر بالمواهب الواعدة خاصة من أفريقيا. في موسم 2011 ـ 2012 حاز الروسي ديمتري ريبولوفليف على أكثر من 66% من أسهم نادي الإمارة وأراد أن يُحدث ثورة داخل الفريق تمكّنه من حصد الألقاب، ولكنه اصطدم بالحقيقة، وهي أن موناكو لا يقدر على مقارعة كبار أوروبا، حتى أنه لا يستطيع مقارعة نادي باريس سان جيرمان لاعتبارات عدّة أبرزها عدم امتلاكه قاعدة جماهيريّة كبيرة في فرنسا والعالم تعود عليه بأرباح كبيرة، إضافة إلى إمكاناته الماليّة «المتواضعة» مقارنة بـ«امبراطورية باريس القطرية» وعدم امتلاكه أكاديميّة تصنع النجوم، واقتصار الأمر على صقل إمكانات لاعبين موهوبين.

دخل خزينة النادي ما يقارب 600 مليون يورو خلال آخر 3 فترات انتقال


هكذا اقتنع الرئيس الجديد بالفلسفة القائمة في النادي، فاستمر العمل بهذه الصيغة. وحقق نادي الإمارة مبالغ طائلة خلال السنوات الأخيرة بعد بيع عدد نجومه أبرزهم هامِس رودريغيز وكيليان مبابيه وأنتوني مارسيال وبرناردو سيلفا وغيرهم الكثيرين. في عام 2014 تعاقد النادي مع البرتغالي ليوناردو غارديم، المدرب «المثقف» والمعجب بعالِم الاجتماع الفرنسي إدغار موران والأديب الإنكليزي روديار كيبلينغ. تعلّم غارديم الكثير من موران خاصة في النظر إلى المشكلات وطريقة حلّها. يقول غارديم إنّه استفاد من مقاربات الفيلسوف الفرنسي بضرورة عدم توجيه أصابع الاتهام إلى أحد، أو إلى مكامن النقص بل يجب مواجهة الفشل، والمثابرة دائماً والتعلّم من الأخطاء، إنّها «النظرة المتناغمة للحياة» يقول. بالفعل استفاد من ثقافته وتجاوز مشكلة كبيرة بين الإدارة والجهاز الفني في عام 2016، أدت إلى رحيل اثنين من مساعديه، بينما أقنع هو رئيس النادي برؤيته وبقي في موناكو. رأت الإدارة أن غارديم هو أفضل من يمكن أن يحافظ على فلسفة النادي، فهو يطبّق الخطط بحذافيرها، دون زيادة ولا نقصان. نجح غارديم وحقق المطلوب، صقل العديد من اللاعبين والمواهب، وفي عهده باتت أندية أوروبا تأتي إلى ملعب لويس الثاني للتسوّق. حتى أن نادي الإمارة تمكن من إحراز اللقب في موسم 2016 ـ 2017 للمرة الثامنة في تاريخه، بعد انقطاع دام 17 عاماً. وتأهل في الموسم ذاته إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، كان موسماً استثنائياً لموناكو على مستوى النتائج وبيع اللاعبين.
في عهد غارديم شهد النادي تطوّراً كبيراً على مستوى كرة القدم، كما سُجّل تحسّن كبير في عمليات صنع وبيع اللاعبين. دخل إلى خزينة النادي مبلغ قارب الـ600 مليون يورو خلال آخر ثلاث فترات انتقال، بينها 362 مليون يورو الصيف الماضي، وأكثر من 200 مليون خلال انتقالات الشتاء الماضي وهذا الصيف. رحل مؤخراً توماس ليمار إلى صفوف أتلتيكو مدريد الإسباني مقابل أكثر من 60 مليون يورو، كما تم بيع فابينهو إلى ليفربول الإنكليزي بعقد وصل إلى 50 مليون يورو. ورحل أيضاً عن نادي موناكو البرتغالي جواو موتينيو إلى وولفرهامبتون، الصاعد حديثاً إلى دوري الأضواء في إنكلترا مقابل 5 ملايين يورو. وكانت فترة الانتقالات الشتوية 2018 شهدت بيع الأرجنتيني غويدو كاريلو إلى ساوثهامبتون مقابل 22 مليون يورو، وتيرينس كونجولو إلى هيديرسفيلد تاون، مقابل 20 مليون يورو. السوق لم يُقفل في الإمارة، حيث أعلن ناديا مانشستر سيتي، وآرسنال الإنكليزيان، عن رغبتهما بالتوقيع مع موهبة نادي موناكو نبيل عليوي (19 عاماً) خلال الانتقالات الصيفيّة الحاليّة. إنّه الاستثمار بالمواهب، متعة كرة القدم ليست مهمة بقدر الاهتمام بالمال. لا يسعى النادي لتوسيع قاعدة جماهيره، الكسب المالي هو الأهم.
يشبه نادي موناكو المكان الموجود فيه. يشبه مدينة المال والأعمال. ربح سريع يتحقق في موناكو من خلال الاستثمارات، وكذلك النادي يحقق أرباحاً كبيرة من خلال الاستثمار بلاعبين صغار، يظهر موهبتهم للعالم، وبعدها يقوم ببيعهم إلى كبار أوروبا. خلال أربع سنوات فاقت أرباح موناكو المليار يورو من بيع اللاعبين، الإدارة مستمرة بهذه السياسة، كونها مقتنعة بعدم القدرة على مجاراة باريس سان جيرمان أو مانشستر سيتي واليوم يوفنتوس ماليّاً، وبالتالي فإنّ الهدف سيبقى تحقيق أرباح ماليّة مع الإبقاء على حدّ أدنى من المنافسة مع أندية المقدمة في فرنسا وهي باريس وليون ومارسيليا. وتأكيداً على ذلك، أعلن نادي الإمارة تعاقده مع لاعب منتخب روسيا ونادي سيسكا موسكو ألكسندر غولوفين (22 عاماً) مقابل نحو 50 مليون يورو، والأكيد أن النادي سيقوم بعد موسم أو اثنين ببيعه إلى أحد كبار أوروبا نظراً إلى موهبته المميّزة. هنا لا بد من الإشارة إلى أن أندية كثيرة من الصف الأوّل في أوروبا تريد غولوفين، ولكن تريده بعد أن يكون مصقولاً وبعد أن يكسب خبرة اللعب في البطولات الكبرى، وهذا يتم في محطة موناكو. ثقافة الربح المالي بدأت مع فينغر الذي أكملها هذا الأخير في أرسنال، وتبنتها إدارة موناكو وأوكلت مهمة إكمالها إلى غارديم. ثقافة لا يحبها العشاق الحقيقيون لكرة القدم، الذين يتعلّقون بالشغف والكرة الجميلة وليس بالمال. لذلك ليس لموناكو جماهير كثر في العالم، ولا حتى في فرنسا.



«تسويق» فالكاو!
نقلت وسائل إعلام فرنسية عن إدارة نادي موناكو رغبتها ببيع المهاجم الكولومبي راداميل فالكاو، والمدافع الفرنسي جبريل سيديبي. وأعربت الإدارة بحسب الإعلام الفرنسي عن غضبها بسبب عدم تقديم فالكاو وسيديبي مستوى كبيراً في مونديال روسيا الأخير، على اعتبار أنّ هذا الأمر يقلل من قيمتهما الماليّة في السوق، ولا يمكن النادي من كسب مبلغ مالي كبير مقابل بيعهما. وستكون إدارة موناكو مجبرة على الإبقاء على اللاعبين لمدّة 6 أشهر إضافية آملة بأن يقدما مستويات جيّدة في الدوري الفرنسي والبطولة الأوروبيّة من أجل «تسويقهما»، تمهيداً لبيعهما في فترة الانتقالات الشتوية المقبلة بالمبلغ الذي تريده.


ألكساندر غولوفين


يكفينا مشاهدة بطولة كأس العالم الأخيرة 2018 والتي أقيمت في روسيا لمعرفة قيمة هذا اللاعب الروسي (22 عاماً). بدأ اللاعب الذي تصارعت عليه الفرق ما بين يوفنتوس وتشيلسي مسيرته الكروية مع فريق سيسكا موسكو والذي استمر معهم حتّى انتقل إلى فريقه الحالي موناكو. فاز «غولو» بلقب الدوري الروسي مع فريقه سيسكا في 2015.

سفيان ديوب
من بين اللاعبين الذي اشترتهم إدارة النادي مخططة من خلالهم للمستقبل، اللاعب السينيغالي الفرنسي سفيان ديوب. لاعب تدرّج في الفئات السنية وفي أكاديمية نادي رين الفرنسي. يشغل ديوب مركز خط الوسط المتقدّم. انتقل بطريقة الانتقال الحر من ناديه السابق رين، وذلك بسبب انتهاء مدّة عقده مع فريقه. سيكون من المتوقّع مصير الصغير (18 عاماً) هو الإعارة.

ويلييم غوبيل


بدأ الشاب غوبيل حياته الكروية في أكاديمية ليون. كان أول ظهور له مع فريقه السابق ليون في 2017 خلال مباراة الدوري الفرنسي والتي تعادل فيها الفريق 3-3 مع ديجون. دخل حينها الملعب بعد 84 دقيقة، ليصبح أوّل لاعب يولد في القرن الحادي والعشرين يشارك في الدوري الفرنسي.

بيير-غابرييل
بدأ روناييل بيير غابرييل مع فريق الناشئين لأحد أعرق الأندية في فرنسا، نادي سانت إيتيان. استمرّ مع الفريق الفرنسي لثلاث سنوات لم يسجّل فيها أي هدف. يشغل غابرييل مركز الظهير الأيمن، ستكون أمامه مهمّة صعبة في المنافسة على المقعد الأساسي في الفريق مع الظهير المميّز مع موناكو جبريل سيديبه. انتقل غابرييل من «النادي الأخضر» إلى أسوار ملعب «ستاد لويس الثاني» بصفقة وصلت قيمتها إلى خمسة ملايين يورو. أمام بيير مستقبل كبير خصوصاً أنه لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره.

أنتونيو باريكا


يعتبر باريكا من بين المواهب الإيطالية الصاعدة (23 سنة)، باريكا لم يأخذ حتّى الآن فرصته في أن يلعب لفريق أفضل من كالياري (الفريق الذي أعاره إليه فريقه الأصلي تورينو). انتقل باريكا إلى نادي موناكو قادماً من تورينو المدينة التي ولد فيها بقيمة تسعة ملايين يورو. يشغل الشاب الإيطالي مركز الظهير الأيسر.

سامويل غراندسير
سامويل هو لاعب صغير يبلغ من العمر 21 عاماً، تنقّل بين الفئات السنية لفريقه السابق تروا (TroyesA/Troyes B). يلعب في مركز الجناح الأيمن، يجيد اللعب بالقدم اليمنى، سجّل في الموسم الماضي مع فريقه تروا في دوري الدرجة الأولى الفرنسي (Ligue 1) ثلاثة أهداف خلال 22 مباراة بدأها كأساسي، بالإضافة إلى إعطائه أربع تمريرات حاسمة. ربّما يكون سامويل من اللاعبين الذي سنتفاجأ بها الموسم المقبل، فلم يمض كثير من الوقت على المفاجأة الأولى التي قدّمها لنا موناكو، مفاجأة الصغير كيليان مبابي.

بيلي


جودلسون مامادو تونكارا غوميس، هو الاسم الكامل للاعب البرتغالي بيبي صاحب الـ26 عاماً. يعتبر بيلي الصفقة الرّابعة التي أبرمتها إدارة نادي الإمارة الفرنسية موناكو قادماً من نادي ريو البرتغالي مقابل تسعة ملايين يورو. يلعب في مركز الارتكاز، تنقّل في عدة فرق أوروبية وخاصّة إيطالية (جنوى وميلان). بالإضافة إلى إعارته من قبل ناديه السابق بنفيكا إلى عدّة فرق أيضاً، انتقل في الموسم الماضي إلى فريقه ريو حيث شارك في 37 مباراة سجّل فيها سبعة أهداف.

جين-أود أهولو
يعتبر أهولو من بين اللاعبين «الكبار» في السن مقارنة بغيره من اللاعبين والصفقات التي استقطبتها إدارة نادي موناكو، حيث يبلغ من العمر 24 عاماً. يحمل الجنسيتين الفرنسية والعاجية (ساحل العاج). يلعب في عدّة مراكز في خط الوسط (خط الوسط، خط الوسط الدفاعي، بالإضافة إلى مشاركته في بعض الأحيان كقلب دفاع). بلغت قيمة انتقاله من نادي ستراسبورغ الفرنسي الصاعد الجديد إلى دوري الدرجة الأولى الفرنسية 13 مليون يورو. وهو من بين اللاعبين الذين يحدثون التوازن في وسط الميدان.

جوناثان بانزو


لموناكو مدرسة منافسة لها في تخريج اللاعبين الشباب، من بين هذه المدارس، مدرسة نادي تشيلسي الإنكليزي. ولكن جوناثان هنا، انتقل من أكاديمية «البلوز» تشيلسي في اتجاه أكاديمية نادي الإمارة موناكو. يبلغ بانو 17 عاماً، انتقل بقيمة 2.7 مليون يورو إلى موناكو. يشغل مركز قلب الدفاع.

ويلسون إيسيدور
كما حال اللاعب ديوب، استقطب نادي موناكو اللاعب الصغير بدوره أيضاً (17 عاماً) ويلسون إيسيدور، من ناديه السابق نادي رين الفرنسي من دون أن تتكّلف خزائن النادي يورو واحداً (الانتقال الحر بسبب انتهاء العقد من الفريق السابق). يلعب ايدسيدور في مركز الجناح الأيمن، وسيتلقّى ربّما المصير ذاته الذي سيتلقاه زميله السابق والحالي في موناكو سفيان ديوب وهو الإعارة إلى فرق فرنسية أو خارج فرنسا لاكتساب الخبرة اللازمة والعودة من جديد إلى فريقه موناكو.