شهدت زغرب العديد من التقلبات في القارة الأوروبية. عاصرت احتلال العثمانيين لدول البلقان. عاشت تحت الحكم الملكي ليوغوسلافيا، وعانت من التبعية للعاصمة بلغراد أيام الاشتراكية الاتحادية. هُجر أهلها إلى البوسنة والمناطق المجاورة. قَتلوا وقُتِلوا. وقفت في وجه الصرب من أجل الاستقلال. سالت الدماء في الشوارع التي دُمّر أغلبها. عانت المدينة من انهيار اقتصادي. وصلت زغرب إلى نهاية النفق المظلم، حيث وقف القتال في كانون الثاني/يناير 1992 وبعدها اعتراف دولي بكرواتيا على أنها دولة مستقلة. العاصمة الكرواتية عرفت كيف تعود إلى الحياة، وبعيداً عن الحرب والسياسة فإن المدينة التي تابعت كل هذه الأحداث قدمت لكرواتيا رياضياً لاعبين صنعوا تاريخ كرواتيا مستقلةً، ومن فرنسا 1998 إلى روسيا 2018، نادي دينامو زغرب كان الساقية التي تشرب منها كرواتيا كرة القدم وتسقي منها اللاعبين ليصبحوا من بين الأفضل في العالم.

أن تعيش كل هذا الظروف وتصدّر للعالم لاعبين على أعلى المستويات كروياً فهذا خير دليل على أنك تملك العزيمة لكي تقول: «أنا هنا لكي أقاتل من أجل هويتي». يشكل دينامو زغرب سفير كرواتيا في كرة القدم الأوروبية، فهو بنظر مشجعيه الوجه الجميل الذي يعكس ثقافة البلد وما عانته لذلك لا يحبون أن يروه يخسر. وعلى ذكر الجمهور في عام 2004 اضطر لاعبو دينامو أن يتدربوا وهم يرتدون فقط سراويلهم، بعد أن قام 50 من مشجعي الفريق المتعصبين الغاضبين من أداء الفريق الضعيف في الدوري الكرواتي بتجريد اللاعبين من قمصانهم قبل المران، وطالبوا اللاعبين بتسليمهم قمصانهم الزرقاء اللون قائلين: «إنهم لا يستحقون ارتداء قميص الفريق». هذا ما يعنيه دينامو وكرة القدم للكرواتيين.
اشتهرت يوغسلافيا بفريقها «الأسطوري» ريد ستار بلغراد الذي حقق لقب دوري الأبطال، لكن دينامو زغرب تفوق عليه وكان سباقاً إلى تحقيق أول بطولة ليوغسلافيا أوروبياً في «كأس المعارض الأوروبية» عام 1967. بيد أن الاتحاد الأوروبي يرفض الاعتراف بهذه البطولة التي يتغنى بها أبناء العاصمة الكرواتي. النادي العاصمي لا يزال معارضاً ليوغسلافيا حتى اليوم إذ إنه يصرّ على إعادة جذوره لنادي «غرادجنسكي» والذي يعني الفريق «المدني» أو فريق الشعب. تم تأسيس الفريق في عام 1913 وتمت محاربته من قبل السلطة الجديدة بعد إعلان يوغسلافيا الاشتراكية لأنها اعتبرته «قومياً». يذكر فريق دينامو على موقعه الرسمي بأنه «وريث» هذا النادي وهم جزء من غرادجنسكي أحد أنجح الأندية في كرواتيا قبل الحرب العالمية الثانية، إلا أن الاسم تغير إلى دينامو زغرب في 1945. عاد الاسم إلى ما كان عليه مطلع السنوات الأولى للاستقلال ثم تحول إلى كرواتيا زغرب. لكن الجماهير أصرت على أن يكون الاسم دينامو زغرب ولا شيء غير ذلك. الحقيقة أن كل شيء له قصة في هذه المدينة، إذ عشاق النادي يرون أن هذا الاسم يمثل القلب النابض لكرواتيا، فهو يعني «محرك زغرب» حيث كانت بداية قصة البحث عن كرواتيا منفردة عن محيطها.

ما لا يقل عن 50 لاعباً في الدوريات الأوروبية تخرجوا من أكاديمية دينامو


حملت الألفية الجديدة معها تحولاً جديداً في دينامو الذي بات بطل كرواتيا من 2005 حتى عام 2017. خلق دينامو «إمبراطورية» كروية في كرة القدم داخل حدود وطنه. امتدت حدودها من المنافسة على البطولات إلى صناعة اللاعبين، لتصنف أكاديمية دينامو من بين أفضل عشرة في العالم. وإذا توقفنا قليلاً عند خريجي هذه الأكاديمية وهذا الفريق عرفنا لما استحق هذا التصنيف. لوكا مودريتش، ماريو ماندزوكيتش، ماتيو كوفاسيتش، ديان لوفرين، سيمي فرساليكو والقائمة طويلة. سافيسافيتش وزفونيمير بوبان كانا في «قلعة» دينامو أيضاً. ووفقاً للإحصاءات التي نشرها المركز الدولي للدراسات الرياضية (CIES) عام 2015، فإن ما لا يقل عن 50 لاعباً يلعبون في الدوريات الأوروبية الكبرى تخرجوا من أكاديمية دينامو زغرب. ثلاثة أندية فقط أياكس وبارتيزان بلغراد وبرشلونة هي أكاديميات أكثر إنتاجية.
في أروقة الأكاديمية، يتدرب اللاعبون على فهم خطة 4ــ2ــ3ــ1. الأمر ليس عبثياً لأن مدربي الشبان يؤمنون بأن وسط الميدان هو «مفتاح» كرة القدم. يُعَوّد اللاعبون على ممارسة الضغط العالي منذ صغرهم والاعتماد على القوة البدنية. العمل الفردي ليس محبذاً بالنسبة لهم فهم يفضلون اللعب الجماعي. وإذا عدنا إلى قائمة لاعبي منتخب كرواتيا التي حلّت وصيفة في كأس العالم روسيا 2018، وجدنا أنها تضم أكثر من 10 لاعبين من الأكاديمية، ولم لا يمكننا القول إن زلاتكو داليتش الذي سبق وعمل كمدرب في كرواتيا استوحى خطة لعبه من دينامو. فأداء كرواتيا في المونديال الأخير يختصر الثقافة التي يتربى عليها الشبان في زغرب. رحلة البحث عن المواهب تتوزع على العديد من المدن في أوروبا والقارة الأميركية، ولكن صربيا ليست مشمولة أبداً بهذه الرحلة. فالصرب غير مرحب بهم نتيجة لاعتبارات تاريخية جرح الحرب لم يلتئم بعد. تنظم المعسكرات في كندا، البوسنة والهرسك، ألمانيا والنمسا.
في سياق متصل، السؤال الذي يمكن طرحه: لم لم يفرض دينامو هيمنته كروياً على الساحة الأوروبية وهو الفريق الذي أهدى كرة القدم أسماء بارزة؟ الإجابة عن هذا السؤال يمكن إيجادها عند زدرافكو ماميتش الرئيس التنفيذي السابق ووكيل اللاعبين في النادي، الذي حول غرفة إدارة النادي إلى مكان تفوح منه رائحة «الفساد»، ليحكم عليه في حزيران/يونيو الماضي بالسجن، حيث تولى منصبه في 2003 وعزل منه في 2016. جعل مامتيش النادي مكاناً لزيادة في حساباته المصرفية. إذ بنى الفريق للسيطرة محلياً وتوفير وسيلة لبيع المواهب وليس التنافس في أوروبا. هدفه الرئيسي في كل موسم هو تأمين اللقب المحلي. بحيث يكون لدى الفريق فرصة في الحصول على جائزة مالية من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم. إضافة إلى التأهل لدوري أبطال أوروبا، فهذا الأمر وحده سيملأ أكثر من نصف الميزانية ​السنوية، والتي تجعله يبتعد عن باقي الأندية في الدوري. على حساب رؤية قارية أكبر، سيكون بمقدور مامتيش بيع لاعبيه بأسعار أعلى. نتيجة لذلك، دينامو أصبح مجموعة من الأفراد بدلاً من فريق. قد تتغير الأمور في دينامو مع سجن مامتيش بسبب التربح من صفقة انتقال لوكا مودريتش في 2008 إلى توتنهام والتهرب الضريبي. طالت الاتهامات أيضاً زوران شقيق ماميتش، ومسؤول الضرائب ميلان بيرنار والمدير التنفيذي للاتحاد الكرواتي لكرة القدم دامير فربانوفيتش بتهمة الفساد. وتم الحكم على زوران المدرب السابق لدينامو بالسجن 11 سنة مقابل أربع سنوات وشهرين لبيرنار وثلاث سنوات لفربانوفيتش.
وصلت كرواتيا إلى نهائي كأس العالم. ورغم خسارتها إلا أنها استقبلت كما لو أنها عادت بالكأس، وإذا كان لا بد من شكر أحد غير اللاعبين والجهاز الفني على ما قدمته كرواتيا في المونديال، فإن العاملين في أكاديمية دينامو زغرب يستحقون التحية على أقل تقدير على ما بذلوه لبناء هذا الجيل.