تحوم فوق السّانتياغو بيرنابيو غمامة سوداء طغت على بياض الـ«ميرينغي»، الفريق الملكي الّذي سيطر على أوروبّا على مدى ثلاث سنوات يدخل مرحلة ضبابيّة، قد تقوده إلى المجهول. أسماءٌ كبيرة رحلت وتغييرات جذريّة حصلت في الجهاز الفنّي إضافةً إلى قلّة التّعاقدات، جعلت من العملاق المدريدي مادّة دسمة للصّحافة العالميّة، فبعد أن وصل الرّيال إلى القمّة وحافظ على مركزه ثلاث سنوات، هل حان موعد السّقوط؟

بعد موسم متخبّط برفقة رافاييل بينيتيز، أقيل المدرّب الإسباني من تدريب ريال مدريد ليخلفه أسطورة الفريق الفرنسي زين الدّين زيدان. قرارٌ أحدث بلبلة في أوساط الكرة إذ إنّ مناصري الميرينغي رأوا أنّه من المبكر على زيدان قيادة فريق عملاق بحجم الرّيال، حيث شكّل تدريب الرّيال تجربة زيدان الأولى كمدرّب، إلّا أنّ الأنصار سرعان ما تقبّلوا الموضوع إذ اعتبروا أنّ تعيينه لنصف موسم لن يزيد من سوء الأوضاع في الفريق.
تسلم زيدان قلعةً متداعية، سرعان ما أعاد ترميمها لتقف ندّاً أمام كلّ زائر، فاعتمد على «المطرقة» كاسيميرو بعد أن كان لاعباً رديفاً لدى بينيتيز، ووضعه برفقة كلّ من طوني كروس ولوكا مودريتش ليبني بذلك أقوى خطّ وسط في العالم. استطاع زيدان في الأشهر الّتي قضاها أن يحقّق المستحيل، حيث أعاد الرّيال للمنافسة على اللّقب حتّى الرّمق الأخير، واستطاع تحقيق دوري أبطال أوروبا. إنجازات عظيمة أثنت على مقولة فلورينتينو بيريز بعد تعيينه زيدان حيث قال: «لقد وقّعنا مع شخص لا توجد كلمة مستحيل في قاموسه». استطاع زيدان مضاعفة الإنجاز في الموسم الّذي تبعه حيث توّج الرّيال بالدّوري الإسباني للمرّة الأولى بعد خمس سنوات عجاف على مستوى الدوري، إضافة إلى دوري أبطال أوروبّا ليصبح الرّيال أوّل فريق في المسمّى الجديد للبطولة يفوز باللّقب مرّتين متتاليتين.
السّنة الّتي تبعتها شهدت تخبّطاً في أداء الرّيال في الدّوري، لكنّ الخبرة لعبت دورها في دوري الأبطال، فتوّج الملكي مرّة ثالثة على التّوالي بـ«ذات الأذنين»، ليدخل زيدان التّاريخ من أوسع أبوابه كأكثر مدرّب تحقيقاً للّقب بالتّساوي مع كلّ من كارلو أنشيلوتي وبوب بيزلي. لم يهتمّ زيدان في الفترة الّتي قضاها بالجماليّة الكرويّة بقدر ما اهتمّ بقوّة التّنظيم والفعاليّة، إذ إنّ قوّة الفريق كمنت في خطّ الوسط الحديدي، حيث مثّل لاعبو الوسط أوّل المدافعين الّذين يؤمّنون الخطّ الخلفي، وأوّل لاعبين يبدؤون الهجمات. وقد تميّز لاعبو الرّيال بادّخار مجهوداتهم لاستغلالها بالمرتدّات، ما شكّل للنّادي سلاحاً فتّاكاً لم يتمكن أحد من فك شيفرته. بعيداً عن الجانب الفنّي لعبت شخصيّة المدرّب العنصر الأكبر في نجاح منظومة الرّيال، إذ إنّ الفرنسي تميّز بقدرته الهائلة على احتواء النّجوم. فالمشكلة في ريال مدريد كانت دائماً تعود إلى كيفيّة تعامل المدرّب مع الأسماء الكبيرة الموجودة داخل غرفة الملابس، لكنّ زيدان استطاع السّيطرة عليهم حيث تمكّن من الدّخول إلى قلب كلّ لاعب في الرّيال وكسب احترامهم بعد أن دافع عنهم ودعمهم باستمرار، واستطاع زيدان بعد أن سيطر على غرفة الملابس أن يلعب أوراقه كما يريد بعيداً عن كلام الصّحف وأرقام الصّفقات الّتي أبرمها النّادي، فلم يعتمد على البي بي سي بشكل دائم كما جرت العادة، ولم يشرك خاميس بشكل أساسي، بل شكّل الثّلاثي الأمامي حسب مجريات كلّ مباراة، وأجلس رونالدو ببعض المباريات على مقاعد البدلاء، الأمر الّذي لم يجرؤ على فعله أي من المدرّبين السّابقين.
بعد ثلاث سنوات من السّيطرة على أوروبّا، تنحّى زين الدّين زيدان عن عرشه تاركاً الإمبراطوريّة الملكيّة بشكل مفاجئ. استقالةٌ سبّبت الصّدمة في الوسط الملكي بعد أيّامٍ من الأفراح بتحقيق دوري الأبطال للمرّة الثّالثة. يقول قائل إن زيدان رحل بعد عدم تبني الإدارة رؤيته للمستقبل، ورفضها أفكاره لتجديد الفريق.
بعد الاستقالة الغامضة، قام ريال مدريد بتنصيب جولين لوبيتيجي على رأس الجهاز الفنّي خلفاً للمدرّب الفرنسي، قرارٌ لم يعجب الاتّحاد الإسباني إذ إنّ لوبيتيغي لم يخبر أحداً عن مفاوضاته مع الرّيال، ما جعل الاتّحاد الإسباني يقوم بإقالته من تدريب المنتخب الإسباني قبل افتتاح كأس العالم بأسبوع.
استقالة زيدان المفاجئة، والتّعيين الغريب للوبيتيجي، قابلهما خبر صادم آخر لأنصار الميرينغي، هو ذهاب أسطورتهم كريستيانو رونالدو ليوفنتوس. إذاً الوضع داخل القلعة البيضاء هو كالتّالي: زيدان رجل الأبطال ذهب، رونالدو الرّجل الأوّل في الفريق رحل أيضاً، تمّ تعيين مدرّب ليست لديه الكثير من الخبرة في الملاعب.
الوضع قد يبدو للوهلة الأولى مرعباً، إلّا أنّه في واقع الأمر ليس كذلك تماماً، صحيحٌ أنّ اسم المدرّب قد يلعب كثيراً على الجانب النّفسي للّاعبين، إلّا أنّ مدرّبين كغوارديولا وزيدان نفسه كسروا القاعدة، حيث أنّ المدرّبين لم يحظيا باسمٍ كبير في عالم التّدريب سابقاً، ومع ذلك استطاعا أن يحقّقا ما عجز عنه الكثير من المدرّبين. وفي ما يتعلّق برونالدو، فذهابه قد ينقل الرّيال إلى حقبة أفضل، أقلّه من النّاحية الفنّيّة، فرونالدو ماكينة الأهداف الحاسمة، كان يجمّد دور كلٍّ من بنزيما وبايل، حيث كان اللّعب يتمحور حوله، وكان المطالب شبه الوحيد بالتّسجيل، لكن الوضع مختلف الآن مع لوبيتيغي، فصحيح أنّ المدرّب الجديد لن يغيّر خطّة الـ 4-3-3 إلّا أنّه سيقوم بتغيير أسلوب اللّعب، حيث سنرى ريال مدريد يقدّم كرة هجوميّة جميلة لأوّل مرّة منذ فترةٍ طويلة، وسيتغنّى أنصار الميرنغي بها بعد أن كانت حكراً على المنافس الكاتالوني برشلونة.
لوبيتيغي مدرّب هجومي يعتمد على الضّغط العالي، ويعدّ من أنصار مقولة «الهجوم أفضل وسيلة للدّفاع»، فيعتمد على الضّغط من لاعب الارتكاز المتمثّل بكاسيميرو إضافةً إلى لاعبي المحور وصولاً للأجنحة الّتي سيكون لها دور كبير في الضّغط العالي، وسيكون الثّلاثي الأمامي مطالباً بصناعة اللّعب، إذ إنّ لوبيتيغي لا يحبّذ الجناح التّقليدي ولا رأس حربة الصّندوق، ما سيجعلنا نشاهد لا مركزيّة بين الجناحين إضافةً إلى تحرّر بنزيما والرّجوع لتسلم الكرة خارج الصّندوق، أسلوبٌ كهذا سيسبّب المشاكل لأقوى دفاعات العالم.
يدخل لوبيتيغي على موسم صعب، خسر به محبّة الجماهير الإسبانية، وخسر مدرّباً حقّق المعجزة لريال مدريد، إضافةً إلى خسارته نجم الفريق الأوّل مع احتمالٍ كبير لخسارة ساحر الوسط لوكا مودريتش في فترة الانتقالات الشتوية. المدرّب في وضعٍ لا يُحسد عليه إذ ظهر أنّ الفريق غير جاهز بعد الخسارة المدويّة أمام أتليتيكو مدريد في كأس السّوبر الأوروبي، وسيكون هدف المدرّب الأساسي الفوز بلقب الدّوري الإسباني، إذ إنّه من غير المقبول لدى الأنصار فوز الغريم الكتلوني بـ 7 ألقاب للدّوري من آخر 10 سنوات، فهل سيستطيع لوبيتيغي تحقيق الألقاب مع تقديم كرة قدم جميلة؟ وهل سيتمكّن من السّيطرة على غرفة الملابس بفترةٍ قصيرة تجعله بعيداً عن أقلام الصّحافة اللاذعة؟ سؤالٌ سنعرف إجابته مع نهاية الدّوري وربما قبل ذلك بكثير.