الاخاء الأهلي عاليه في المباراة النهائيّة لمسابقة كأس النخبة لكرة القدم. مسألة لا يمكن أن تمرّ مرور الكرام، إذ إن النادي الجبلي يبلغ أوّل نهائي في تاريخه الطويل، ويقف أمام فرصة تحقيق أوّل لقب، وهو الذي جهد منذ تسعينات القرن الماضي لمجاراةِ فرق المقدمة في لبنان، فكان عنيداً لمواسم طويلة في مواجهاته معها، لكنه لم يتمكن كغيره من الفرق الكثيرة من كسر حضورها القوي أو قطع الطريق عليها والسير بدلاً منها إلى منصات التتويج. وفي النقطة الأخيرة يتركّز الكلام ويُطرح السؤال، لماذا لا تتمكن غالبية فرق الدرجة الأولى من كسر سيطرة الفرق الأكثر شهرة منها على الألقاب؟

الواقع أن خطف لقبٍ من هنا وهناك من فرقٍ مثل الأنصار والنجمة والعهد والصفاء، يعدّ أمراً صعباً جداً، وقد فعلها سابقاً البرج وهومنمن وشباب الساحل وطرابلس والسلام زغرتا. لكن ألقاب هذه الفرق بقيت في إطار المفاجأت، وانحصرت في مسابقاتٍ يمكن وصفها بالرديفة مثل كأس لبنان أو كأس النخبة، وذلك بعيداً عن إمكانية إنزال الفرق الأقوى عن عرش البطولة الأهم أي الدوري اللبناني.
وفي هذا الإطار، تبرز مفارقة مهمة جداً، وهي أن الفرق البيروتية تحديداً هي التي احتكرت لقب الدوري، وهو أمر مرشح للاستمرار في الموسم الجديد، ولو أن هناك طموحات كبيرة لدى فرقٍ عدة لفعل ما قام به السلام زغرتا قبل موسمين، عندما نافس العهد حتى الأمتار الأخيرة من عمر البطولة، لكن من دون أن ينجح في سحب البساط من تحت قدمي الفريق الأفضل في لبنان خلال الموسمين الأخيرين.
الواقع أن سرّ نجاح الأندية البيروتية دون سواها يعود إلى أسبابٍ مختلفة، منها أن الاهتمام الاجتماعي والسياسي بكرة القدم في بيروت هو مختلف تماماً عن ذاك الذي تعرفه بقية المناطق في لبنان، وخصوصاً تلك البعيدة عن العاصمة. ومما لا شك فيه أن أندية هذه المناطق لا تحظى باهتمام جماهيري كما هو الحال في بيروت. أضف أنها لا تحظى باهتمامٍ من الجهات السياسية بنفس الصورة التي تعرفها الأندية البيروتية، التي تتلقى دعماً إما مباشراً أو غير مباشر من تيارات وأحزاب لا من أفراد ينشطون في السياسة أو غيرها. كما أن الاهتمام الجماهيري الكبير بها يجذب إليها الداعمين الذين يريدون إظهار صورتهم إما اجتماعياً أو سياسياً بهدف تحقيق المكاسب الشخصية، فتكون الأندية أكثر المستفيدين، وتحديداً من الدعم المادي.
وتبدو هذه النقطة مهمة أقلّه على الصعيد البسيكولوجي، إذ عندما تشعر الأندية بالدعم المعنوي وتتنعم بالدعم المادي، تبادر إلى تقوية نفسها، تماماً كما حصل مع طرابلس خلال «فترة العز» مع الرئيس نجيب ميقاتي، الذي يُعدّ عرّاب إطلاق النادي الذي يحمل اسم مدينته، ما أفضى إلى إحراز كأس لبنان.

الاهتمام الاجتماعي والسياسي بكرة القدم في بيروت مختلف عنه في بقية المناطق


أيضاً ضمن هذه النقطة، ورغم ربطها بالسياسيين أو احزابهم، تعيش بعض الأندية اهتماماً جزئياً أو ربما نسبياً من قبل هذه الأحزاب، فتكون محسوبة عليها في الظاهر لكن ضمنياً لا تحظى بالدعم المطلق منها، كما هو الحال في بيروت، إذ على سبيل المثال، إذا لم يأتِ الدعم مباشرة من تيار المستقبل فإن الاخير يؤمّن المتموّل المطلوب للنادي الذي يحظى برعايته.
أما المسألة الأخرى، والتي تبدو متصلة بغيرها من المسائل فهي الحرمان الذي تعيشه مناطق عدة على صعيد الاهتمام والبنى التحتية، إذ إن محافظة البقاع مثلاً وقبل تشييد ملعبٍ في بلدة النبي شيت بمبادرة شخصية، لم تعرف إلا ملعباً واحداً يمكن تسميته بملعب كرة القدم الحقيقي، وهو ملعب جمال عبد الناصر في الخيارة.
كما أن ملعب مجمع زغرتا الرياضي في المرداشية لم يكن ليبصر النور قبل قدوم المونسنيور اسطفان فرنجية وإدارته الذين نفذوا مشروعاً انعكس فائدة فنية عليهم بحكم جمعهم لاعبي المنطقة في ملعبهم والاستفادة من إمكاناتهم، إضافةً إلى شدّ عصب الزغرتاويين ومنهم المغتربين فبادروا إلى المساهمة في دعم النادي. وفي الوقت الذي تعب فيه الاخاء لسنوات للحصول على ملعب أمين عبد النور في بحمدون، والذي خلق حالة حيوية في المنطقة، لا يزال نادٍ مثل شباب الساحل يتدرّب على أرضية ترابية، وهو أمر ينعكس سلباً على تطوّر هذا النادي رغم المجهود الكبير الذي قامت به إدارته طوال سنوات، لكن من دون أن تتمكن من الوصول إلى درجةٍ تُنافس فيها النجمة والأنصار والعهد والصفاء.
وبما أنها حلقة متصلة، فإن عدم قدرة أندية المناطق على إصابة النجاح متـأثرة بالعوامل المذكورة سلفاً، فإن عدم تحقيقها النتائج الكبيرة أثّر عليها من باب عدم تمكنها من تحسين أوضاعها الفنية بسبب عدم رغبة الأكثرية الساحقة من اللاعبين المميزين الانتقال إليها.
جزءٌ من هؤلاء اللاعبين يرصد اللعب مع فريقٍ (بيروتي) قوي، وجزءٌ آخر يستصعب العيش في مناطق بعيدة عن العاصمة حيث يجد صعوبة في الانتقال إليها يومياً لخوض التمارين، ولو أن هناك حالات نادرة على غرار ما حصل مع قائد الإخاء احمد عطوي الذي فضّل أخيراً البقاء مع فريقه على الانتقال إلى النجمة أو الأنصار.
إذاً ذهاب أي لقبٍ بعيداً من بيروت قد يكون مفيداً للأندية البعيدة من العاصمة، والمثال الأبرز ما عرفه السلام زغرتا الذي جذب بعض الأسماء المهمة في الكرة اللبنانية إثر فوزه بكأس لبنان ثم حلوله وصيفاً في الدوري، وذلك بحكم مشاركته في كأس الاتحاد الآسيوي ثم في كأس العرب للأندية الأبطال، الأمر الذي يغري هؤلاء اللاعبين الطامحين للفت أنظار الخارج إليهم.