«فرخ البط عوّام». يُستخدم هذا المثل الشعبي عادةً للدلالة على توارث الأبناء لمهن آبائهم، أو في اتباع خطواتهم نحو الملاعب الرياضيّة. ينقسم المجال الرياضي في لبنان بين فئتين، لاعبون شجّعوا أولادهم على إكمال مسيرة العائلة الكروية، وآخرون سعوا جاهدين لإبعاد أولادهم عن سكّة الملاعب خوفاً عليهم من ضياع مستقبلهم. وما بين التشجيع والمنع، الكثير من الدوافع والأسباب، لكنّ الإجماع يبقى حول ضرورة توعية الأبناء من عواقب الانغماس في اللعبة على حساب العلم، والذي يعتبر السلاح الأهم لمواجهة تقلّبات المستقبل

كثيرون من لاعبي كرة القدم شجعوا أولادهم للنزول إلى المستطيل الأخضر بهدف إكسابهم الشهرة والنجومية. سلّموهم الراية، ثمّ راحوا يواكبونهم من المدرجات، تشجيعاً وإرشاداً. عباس رحال، لاعب فريق الشبيبة المزرعة في الستينيات، من أبرز هؤلاء. دفع رحال بأولاده الأربعة إلى الملاعب مع فريق البرج، ومثله فعل الراحل الياس جورج، نجم نادي الراسينغ والمنتخب الوطني في الخمسينيات والستينيات، الذي شجّع ولديه للانضمام إلى فريق السلام زغرتا. وإلى جانب هؤلاء، سهر قائد فريق الراسينغ ونجم منتخب لبنان السابق في السبعينيات طوني جريج، على صقل موهبة ابنه فادي حتى صار اليوم من أبرز مهاجمي لعبة كرة الصالات في لبنان. الراحل جوزيف أبو مراد، قائد الراسينغ ومنتخب لبنان سلّم قميصه لابنه جورج ليواصل اللعب لعدّة سنوات ضمن صفوف القلعة البيضاء. أنطوان فنيانوس، عمدة نادي السلام زغرتا والمنتخب الوطني في الستينيات، شجّع أيضاً ولده انطونيو لمواصلة الدرب في نفس مركزه في قلب الدفاع، وكذلك فعل أميل رستم مواكباً مسيرة ابنه الكروية بين الحكمة والراسينغ والأنصار. اللائحة تطول بالأمثلة الأخرى التي تعكس تشجيع الآباء لأبنائهم في الملاعب من جهة، ويمهدون لهم الطريق العملي والمهني في حياتهم من جهةٍ أخرى.

ليتنا أبعدناهم عن الملاعب
يتحسّر أكثر من لاعبٍ سابقٍ لتشجيع ابنه على ممارسة كرة القدم، فاللعبة الشعبية ضيّعت بوصلتهم وأبعدتهم عن تحصيلهم العلمي. محمود الخنسا، لاعب التضامن بيروت في الثمانينيات، يبدي إعجابه بأداء ولديه، حسن قائد فريق الحكمة الحالي وحسين لاعب خط الوسط في نادي المبرة، لكنّه لا يخفِ «ندمه على تشجيعه لهما منذ البداية». الولدان اللّذان أصبحا في السادسة والعشرين من العمر، «لا يزالان من دون وظيفة تعينهما على مواجهة الحياة ومتطلباتها مستقبلاً»، مؤكّداً أنّ «كرة القدم في بلادنا ما بتطعمي خبز». في السّياق نفسه، يتحسّر لاعب نادي شباب الساحل محمود علامة لدفعه بولديه علي وحسن إلى الملاعب حيث «الأفق ضبابي بامتياز».
في التسعينيات، كتب اللاعب السابق في صفوف الأنصار والتضامن بيروت وشباب الساحل هاني وزنه، مقالاً بعنوان «لقّحوا أولادكم ضد كرة القدم» في ظلّ ما يعانيه لاعبو كرة القدم في لبنان من معاملةٍ «سيئة» في الأندية أو مستقبل مجهول. حينها، منع وزنه ابنه الموهوب من الانضمام إلى أي فريق، فتخرّج في ما بعد مهندساً وأستاذاً جامعياً، مشيراً إلى أنّه «لو وافقت على انضمامه إلى أي فريق لما أكمل علومه كما يجب». وعلى خطى وزنه سار حسين فرحات، لاعب الأنصار والبرج، الذي فاز بوظيفة بعد جهد جهيد، فلم يشجّع ابنه الموهوب عادل للانضمام إلى أي فريق سوى إلى منتخب الجامعة ليتخرّج مهندساً ميكانيكياً. حول هذا الواقع، لفت المدرب الوطني سمير سعد الانتباه إلى تخوّف معظم لاعبي كرة القدم من دفع أولادهم إلى ممارسة اللعبة، موضحاً أنّ «الأكاديميات باتت تفقد معظم روّادها عند وصول طلابها الكرويين إلى المرحلة الثانوية، وهذا يدلّ صراحة على أن الأهل باتوا يدركون المخاطر المنتظرة فيما لو أمعن أولادهم بالبقاء داخل المستطيل الأخضر»، ويضيف «هناك العديد من اللاعبين القدامى الذين منعوا أولادهم من اللعب مع الأندية وكثيرون منهم وجّهوا أولادهم إلى رياضات أخرى». يتساءل سعد عن الأسماء الكبيرة التي وُجدت في ملاعبنا ولم يكمل أولادهم من بعدهم المسيرة، كعدنان الشرقي، سميح شاتيلا، أحمد علامة، يوسف الغول، محمود برجاوي وغيرهم الكثير. كما يشير سعد إلى أنّه «لطالما سعى اللاعبون لنيل وظيفة موازية لمسيرتهم الكروية، إذ توزع كثيرون منهم على المصارف وشركة الميدل ايست وبعض الشركات الخاصة أو وظائف في سلك الدولة، قبل أن يخرجوا من الملاعب بحنين».

جمال الحاج وولداه.. حالة خاصة
برز اللاعبان الواعدان، يوسف وعلي الحاج (18 و17 سنة)، نجلا الكابتن والمدرب جمال الحاج، في صفوف فريق النجمة مؤخراً. قضية علي ويوسف شغلت الشارع الكروي بعد اتخاذ الحاج قراراً جريئاً بدفع ولديه إلى الملاعب. الحاج ليس نادماً على خطوته هذه، ويقول: «أدرك تماماً أن معظم اللاعبين لا يحبّذون دفع أولادهم إلى الملاعب لأنهم الأكثر خبرة بما سيلاقونه من خيبات ونكسات وأجواء غير سليمة، لكنّني تركتهما يلعبان الكرة لأنهما وجدا نفسيهما في ساحاتها»، متمنياً لهما الاحتراف في الخارج «ففي لبنان ما زالت اللعبة تدور بعبثية وتُدار بارتجالية».