علي حيدر


الكباش تحوّل إلى حرب في أوساط كرة القدم الإسبانيّة. ينقسم الشارع الكروي اليوم في إسبانيا بين مؤيدين للعب بعض مباريات الدوري الإسباني في الولايات المتحدة الأميركية، وبين معارضين لهذا الموضوع. في ظاهره يبدو الموضوع رياضياً، ولكن في باطنه لا شك أنّه موضوع تسويقي ـ سياسي، تسعى من خلاله بعض الأندية إلى تحقيق الأرباح، وبعضها إلى تسجيل موقف سياسي ضد العاصمة مدريد. المعركة مستمرة.
في السادس عشر من آب/أغسطس، أعلنت رابطة الدوري الإسباني للمحترفين توقيع اتفاقية فريدة من نوعها مع شركة Relevent الدوليّة تهدف إلى تسويق كرة القدم الإسبانية في الولايات المتحدة وكندا. وتقضي الاتفاقية التي تمتد إلى 15 عاماً إلى نقل إحدى أو بعض مباريات «لا ليغا» من إسبانيا وإقامتها في أميركا الشمالية، مع أرجحية أن يكون ريال مدريد أو برشلونة أحد طرفيها. لم يلق هذا الاتفاق «الملتبس التفاصيل» ترحيب الجميع. علامات استفهام كثيرة طُرحت حول هذا الاتفاق، كذلك حصلت تجاذبات بين العديد من الجهات في كرة القدم الإسبانيّة، كانت انطلاقتها من رابطة اللاعبين الإسبان الممثلة بقادة الفرق والتي اجتمعت وأعلنت رفضها التام لخوض المباريات خارج الأراضي الإسبانية، وهددت بالإضراب عن اللعب في حال عدم مراجعتها بما يخص هذا الشأن، وتلك سابقة وُصِفت في إسبانيا بـ«الخطيرة». الرفض الآخر جاء من الاتحاد الإسباني لكرة القدم، الممثل برئيسه الجديد لويس روبياليس الذي هاجم بقسوة رئيس «لا ليغا» خافيير تيباس ووصفه بـ«قليل التهذيب»، مشيراً إلى أن ما تم توقيعه لا قيمة له من دون موافقة الاتحاد الإسباني للعبة.
هذه الحدة في المواقف، إضافة إلى ضغط الإعلام والجمهور دفعت بـ«تيباس» للخروج في مقابلة مع إذاعة «كوبي» لتصويب الأمور، موضحاً أن هذه الاتفاقيّة غير إلزامية ولا تجبر أي فريق على السفر واللعب. غير أن أبرز ما ورد في المقابلة لم يكن هذا التصريح، بل الإعلان عن توصل فريقي برشلونة وجيرونا إلى اتفاق مع رابطة الدوري لإقامة مباراتهما في hard rock stadium في ميامي. أبعاد هذا الخبر السياسيّة نقلت الأمور إلى مستوى آخر في ظل المرحلة الحساسة التي تمر بها البلاد الآن، فالفريقان الكاتالونيان معروفا التوجهات على الرغم من عدم تأييدهما الاستقلال علناً. وتخشى الحكومة الإسبانية أن تستغل الجماهير الكاتالونية هذا الحدث كمنصة دوليّة للترويج للانفصال، سواء برفع الـ«Estelada» وهو العلم الرمزي للاستقلال، أو بترديد الهتافات المطالبة به، واضعين بين أيدي الإعلام الأميركي مادة دسمة للحديث عن المشاكل بين مدريد وكاتالونيا. وفي محاولة لتجنب حصول ذلك و«أسبنة» الحدث، قال تيباس إن رابطة الدوري ستتخذ بالتعاون مع شرطة ميامي خطوات احترازية، كمنع رفع أي علم غير شرعي وتوزيع كمية من الأعلام الإسبانية، إضافة إلى وضع موسيقى النشيد الوطني للبلدين قبل انطلاق صافرة البداية. وسترافق هذه التدابير تسهيلات كبيرة للجماهير الإسبان الراغبين بالسفر ومواكبة الفريق، وتشمل هذه التسهيلات تذاكر مجانية لـ2500 مشجع، وحسومات على النقل وحجوزات الفنادق في ميامي. وتدخل هذه الإجراءات ضمن محاولة تعويض فوات فرصة مشاهدة الديربي على أبناء جيرونا.

تخشى الحكومة الإسبانية أن تستغل الجماهير الكاتالونية هذا الحدث كمنصة دوليّة للترويج للانفصال


وفي لقاء جمع رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز ورئيس الاتحاد الإسباني برئيس الفيفا جياني إنفانتينو في مدريد، وبحسب تقارير صحافية، تمنى سانشيز من إنفانتينو أن لا يقام ديربي كتالونيا خارج حدود المقاطعة، وذلك تفادياً لما قد ينتج عنه.
أمّا رئيس «لا ليغا» خافيير تيباس، مدعوماً برغبة بعض الفرق، واصل عزفه المنفرد وتقدم بطلب رسمي للاتحاد من أجل خوض لقاء جيرونا X برشلونة في ميامي ضمن الجولة 21 من الدوري الإسباني. ويرى البعض أن نقل المباراة من ملعب المونتيلفي الصعب إلى الهارد روك ستاديوم يعطي أفضلية لبرشلونة الذي سيلعب مباراةً أقل خارج أرضه، وهذا ما يعتبره الخصوم تلاعباً بمعايير المنافسة العادلة. وهو فعلاً كذلك، فمدرجات ملعب ميامي الواسع، ستكون ممتلئة بجماهير البلاوغرانا التي ستأتي بأعداد كبيرة لمشاهدة الأرجنتيني لينويل ميسي ورفاقه. وكان من المقرر أن يجيب الاتحاد على الطلب قبل الخامس من كانون الثاني/يناير، إلا أن الرد جاء سريعاً وجازماً، «لن نسمح بإقامة مباريات الدوري في الولايات المتحدة»، أقلّه حتى الآن. هذا الرد لم يردع تيباس الذي جدد تفاؤله الملفت وأصر على مواصلة محاولاته لإقناع الاتحاد بالسبل المناسبة.
وانضم رئيس النادي الملكي فلورنتينو بيريز إلى قائمة المعارضين بإعلانه أن ناديه يرفض رفضاً قاطعاً خوض أي مباراة في الولايات المتحدة، وأضاف، «لا أعرف أية مصالح تخدم هذه الاتفاقية، لكنها قطعاً لا تخدم مصالح الأندية ولا المشجعين». وبهذا التصريح، يكون بيريز قد قضى على آخر آمال تيباس بقلب الموازين، تاركاً إياه يصارع وحيداً أمام الجميع.
الحرب بين الاتحاد والرابطة والانقسام في الشارع الكروي لا يزالان قائمين في انتظار تطورات قادمة تحدد مصير هذه الاتقاقية التي يبدو أنّها قد لا تبصر النور، فهل ستنتصر الهوية الإسبانية على العولمة التسويقية لكرة القدم؟