نيمار دا سيلفا سانتوس جونيور، موهبةٌ مميّزة دمّرتها تصرّفات اللّاعب الطّائشة. لاعب بإمكانيّاتٍ خارقة، وقفت عقليّته بينه وبين الكرة الذّهبيّة. حرم نفسه من التتويج بالذهب، أو حتّى التّرشح لنيله، في مناسباتٍ عديدة. لا أحد يشكّ بموهبة نيمار، لا أحد يتجرّأ حتّى. نيمار ما هو إلّا تكملة لإرث الكرة البرازيليّة، الّتي عوّدتنا على المواهب الكرويّة الساحرة في كلّ جيل. بيليه روماريو رونالدو رونالدينيو، أسماءٌ برازيليّة كبيرة لَمعت في سماء الكرة العالميّة، خلفها نيمار، بموهبةٍ قد تفوق بعضها، لكن بشخصيّة مختلفة، إذ إنّ موهبة نيمار الفريدة كادت تجعله يتجاوز بعض هذه الأسماء الكبيرة، لو تحلّى بالشّخصيّة المنضبطة.

لمع اسم الشّاب البرازيلي في سانتوس، حيث ظهر في الأحياء الفقيرة لموغي داس كروزس، لاعب لم تشهده البلدة منذ سنوات. مبارياتٌ قليلة حتّى عرف الجميع، أنّه من السّلالة المنتظرة لأبناء السّيليساو.
تألّق اللّاعب في بلاد السّامبا، جلب أنظار العملاق الكتالوني، الّذي لم يتردّد في التّوقيع مع ابن الـ 21 عاماً حينها، ليشكّل أخطر مثلّث هجومي في العالم برفقة كلّ من ليونيل ميسي ولويس سواريز. أداءٌ رائع للفتى البرازيلي جعله حديث العالم، ما رشّحه بأعين الكثيرين ليكون خليفة ميسي ورونالدو، إلّا أنّ أعين وكلاء اللّاعب كانت بعيدة النّظر، ما جعل اللّاعب ينتقل إلى باريس سان جيرمان هرباً من ظلّ ميسي. تألّق نيمار في النّادي الباريسي ووضع بصمتَه في كلّ المباريات، مثبتاً أنّه يستحقّ أن يكون أغلى لاعب في تاريخ كرة القدم، بعد أن جاء لباريس في صفقةٍ بلغت الـ 222 مليون يورو.
مسيرة اللّاعب شابتها العديد من المشاكل، ارتبطت بشخصيّة اللّاعب الصّبيانيّة. مواقفُ في الملعب وخارجه خفضت كثيراً من قيمة اللّاعب الّذي كان يُنتظر منه الكثير. سلوكٌ مثير للجدل رافق نيمار منذ الصّغر، حيث كان يتّصف بالأنانيّة وحبّه للأضواء. في سنّ الـ 18 طُرد من مباراة بعد أن دخل في نوبة غضب إثر إصراره على تنفيذ ركلة جزاء، حادثةٌ أودت بمنصب مدرّب الفريق حينها، بعد أن صفّت الإدارة إلى جانب اللّاعب عقب نهاية المباراة. حادثة مماثلة قام بها اللّاعب، بعد أن أصرّ على تنفيذ ركلة الجزاء في باريس سان جيرمان، على الرّغم من كون إيديسون كافاني هو المتخصّص بذلك. نيمار طفلٌ مدلّل، دائماً ما جرى التّعامل مع رغباته على أنّها أوامر واجبة التّنفيذ. مشاكلُ كثيرة مع اللّاعبين، ولقطات مسرحيّة بغية كسب ركلات الجزاء، أثارت غضب لاعبين كبار في كرة القدم، على غرار مارادونا الّذي انتقده عندما قال: «لا يزال يفتقر إلى شيء رغم كونه نجماً. إنّه بحاجة إلى تغيير الشّريحة الموجودة في رأسه بعض الشّيء». سلوكيّات اللّاعب الطّائشة وتصرّفاته الصّبيانيّة جاءت بسبب الضّغط المتولّد عن القتال على حلمٍ رسم له منذ أن كان طفلاً، ولم يستطع أن يحقّقه حتّى الآن. إذ يظهر جليّاً مدى التّحكّم الكبير لوالده ووكلاء أعماله في إدارة حياته بدقّة، من أجل أن يصبح أفضل لاعب في العالم. هدفٌ هيمن على كامل توجّهاته تجاه الكرة، تاركاً آثاراً سلبيّة في الفرق الّتي شارك بها بغية الوصول إلى ما يصبو إليه. تصرّفاتٌ غير رياضيّة، قابلها عدم ترشيح الفيفا لنيمار، في تشكيلة أفضل لاعبي العالم لعام 2018. قرارٌ مثّل أفضل عقاب على تصرّفات اللّاعب الطّائشة، صادمةً إيّاه بعد أن كان يطمح للمجد في باريس.
صفعةٌ مدويّة تلقّاها نيمار، أعادته إلى الواقع. فهم من خلالها اللّاعب أنّ الموهبة الخالصة لا تصنع النّجوميّة، إنّما الشّخصيّة هي أساس كلّ لاعب. تغيّرات كثيرة عرفها اللّاعب منذ ذلك الوقت، حيث ظهر جليّاً هذا الموسم تحسّنه في الجانب السّلوكي والجماعي، فبدا أكثر انسجاماً مع المجموعة، وأكثر احتراماً وتقديراً لباقي اللّاعبين، في مؤشّرٍّ على أنّ النّجم البرازيلي قد نضج أخيراً، وها هو يقدم مستوى مميّزاً هذا الموسم، ربما سيصل في نهايته إلى الكرة الذهبية التي يتمناها.