عند كل إستحقاق خارجي لكرة القدم اللبنانيّة، يظهر بوضوح الفارق في المستوى بين أندية لبنان وباقي الأندية سواء على المستوى العربي أو الآسيوي. في السنوات الأخيرة كانت هناك بارقة أمل بأن يصل لبنان إلى مونديال البرازيل 2014، ولكن في الأمتار الأخيرة تبخّر الحلم لأسباب كثيرة، فنيّة وغير فنيّة، وعاد الجميع إلى أرض الواقع. الأكيد أن مشاركة الأندية غالباً ما تكون «باهتة» وغير مقنعة، وتُظهر مدى ضعف الأندية اللبنانيّة، وعدم الجهوزية مقارنة بالآخرين. أقصى الطموح بالنسبة إلى الأندية اللبنانية المشارِكة خارجياً هو الوصول إلى مراحل متقدمة في كأس العرب للأندية الأبطال، أو تحقيق مفاجأة في كأس الاتحاد الآسيوي، أما أكثر من ذلك فهو يصبح في مصاف الأحلام. والمهم في هذا الموضوع أن مستوى الأندية ينعكس على المنتخب، وبالتالي الكلفة تكون باهظة.

يمكن القول إن مشاركات الأندية اللبنانية الخارجية الأخيرة «عرّت» واقعنا الصعب. كانت هذه المباريات بمثابة الصفعة التي جعلت كثيرين يستفيقون على «واقع كروي مرير». صحيح أن الأندية اللبنانيّة تلعب أمام أندية عربيّة كبيرة، لكن هل من الطبيعي أن تكون الهوّة بين مستوى الفرق بهذا العمق؟
أسئلة عديدة حملتها «الأخبار» إلى مدربين لهم باع طويل في الملاعب اللبنانيّة، من ثلاثة أجيال مختلفة للإجابة عن سؤال رئيسي: «ليش نحنا هيك»؟
إميل رستم وموسى حجيج مدربان كانت لهما بصماتهما في الكرة اللبنانية، سواء كمدربين أو كلاعبين.
أول ما يقوله المدرب إميل رستم حول واقعية الصورة الفنية لمباريات الأندية اللبنانية في البطولة العربية، وتحديداً مباراة الأهلي مع النجمة الأخيرة هي ثلاث كلمات «طبيعي ومش طبيعي». بالنسبة إلى المدرب رستم، فإن كرة القدم اللبنانيّة تسير بالمقلوب. «لا يوجد تنظيم أو تخطيط لدى الأندية التي يعمل معظمها بطريقة عشوائيّة» يقول الكابتن إميل لـ«الأخبار». يتساءل المدرب رستم عن الإدارة الفنيّة التي ترسم الاستراتيجيّة الفنيّة في الأندية، «دورات فنية ومدربون يتخرجون بالعشرات من دون فائدة. تتعاقد الأندية مع مدربين أجانب. قد يكون السؤال الأول الذي يُطرح على أي مدرب أجنبي يحضر إلى لبنان: ما الذي شجّعك على المجيء إلى لبنان؟».
يبدو المدرب الوطني على يقينٍ بأن المال هو الجاذب الوحيد لمجيء المدربين الأجانب إلى لبنان، «ولو كانوا يملكون عقوداً في بلدانهم حتى من فرق في الدرجة الثالثة لما أتوا إلى لبنان».
يشدد رستم على أهمية وضع أطُر فنيّة واضحة وكوادر تقوم على تنفيذ الاستراتيجيات والخطط، «في لبنان أندية عديدة تعمد إلى استعارة لاعبي الأكاديميات للعب باسم النادي في بطولات الفئات العمرية، كون كل ناد ملزماً باللعب بعدد من هذه المسابقات. لماذا لا يقوم النادي بتأسيس أكاديميّته ويتعاقد مع مدربين لتخريج اللاعبين، للوصول إلى مرحلة يكون فيها استقدام لاعب من خارج النادي استثناء، بعكس الواقع الحالي حيث يتم التعاقد مع فريق بأكمله»، يقول رستم بأسف.

«تفرح إدارات الأندية بالمدربين الأجانب لأنهم يُدارون على الريموت كونترول ولا يقولون لا»


ينتقل إلى مسألة التمويل وغياب الأموال، معتبراً أنها الحجة التي تتمسك بها الأندية لتبرير تقاعسها، وهذا سببه «أن التمويل قائم على شخص فقط. فإذا عطس الرئيس أصيب النادي بالمرض».
وحول الشكل الذي ظهر عليه فريق النجمة فنياً خلال المباراة الأخيرة مع الأهلي، يرى رستم أن الصورة كانت بشعة ومحزنة كون الفريق يمثّل لبنان، متسائلاً عن صوابية قرار استعارة لاعبين لمباراة الذهاب لا يستطيعون أن يلعبوا في الإياب بسبب نظام البطولة. كما يتساءل عن صوابية إشراك حسن معتوق من بداية المباراة، وهو لم يتعاف من الإصابة، ما أدى إلى تجددها.
يختم رستم كلامه معتبراً أن الصورة الفنية على ملعب المدينة الرياضية كانت منطقية «لأن كل شغلنا غلط، وغير منطقية لأنه لا يوجد مبررات لذلك. فالمصريّون لا يملكون أشياء لا نملكها نحن. ولا هم قادرون على القيام بأشياء لا نستطيع القيام بها. لكن نحن نريد أن نكون من كبار القارة ونحن أساساً لا شيء. تفرح إدارات الأندية بالمدربين الأجانب لأنهم يُدارون على الريموت كونترول ولا يقولون لا. هذه هي مشكلتنا».
من جهته، يلتقي رأي المدير الفني واللاعب السابق موسى حجيج مع رأي رستم حول المدربين الأجانب، لكن من زاوية أخرى. فبالنسبة إلى الكاتبن موسى، المشكلة في الأجهزة الفنية وطريقة عملها، «قد يكون للمدربين الأجانب فكرٌ كروي عالٍ جداً وهم يأتون ويطلبون من اللاعبين التطبيق والعمل بطريقة معينة. لكن هل هذا اللاعب قادر على تطبيق ما هو مطلوب منه، وهل يملك الإمكانيات والثقافة الكروية اللازمة؟»، يتساءل حجيج في حديثه مع «الأخبار».
بالنسبة إليه، المطلوب هو استقدام مدربين يعلّمون ويربّون لا أن يضع هؤلاء خططاً لينفذها لاعبون صاعدون من الفئات العمرية بمستوى صفر. وهذا ما تتميز به أوروبا. هناك الفوارق على الصعيد الفردي، «قد يكون هناك لاعب موهوب أكثر من لاعب آخر، لكن على الصعيد الجماعي ممنوع أن يكون هناك فارق كبير. لا بدنياً ولا تنظيمياً ولا ثقافياً ولا نفسياً. في لقاء النجمة، غاب التحضير النفسي والذهني. لم أشاهد لاعباً طلب الحصول على الكرة. معظمهم كانوا يريدون الهروب كونهم يلعبون أمام خصم قوي.
قد يكون هذا صحيحاً على الصعيد الفني، لكن «من غير المقبول أن يكونوا أفضل منا بدنياً أو تنظيمياً. في لبنان ما إن تتلقى هدفاً، حتى تسقط المنظومة وكل واحد بيفتح على حسابه»، يقول حجيج باستياء.
يضيف حجيج مشكلة أخرى وهي إدارات الأندية وماذا تريد من أجهزتها الفنية، «فما إن تتعاقد مع مدرب حتى يكون طلبها الأول إحراز البطولة من دون السؤال إذا ما كان هناك إمكانية لذلك»، برأي المدرب حجيج.
وعن الحلول، يقول المدرب الوطني إنّ «على إدارات الأندية أن تعتمد استراتيجية ومجموعة خطط للوصول إلى هدف محدد. من غير المقبول أن يبقى أي مدرب في منصبه لفترة أقل من أربع سنوات مع مفهوم محدد ولجنة فنية تكمّل عمله للوصول إلى شكل ومنظومة فريق». بالنسبة إلى حجيج، المواهب تأتي لاحقاً، «فأنت لا يمكن أن تصنع لاعباً موهوباً، لكن يمكنك أن تصنع فريقاً منظماً».
عبد...