قبل أسابيع قليلة تقاطر عدد من مشجعي نادي الحكمة إلى الأشرفية وقاموا بوقفة أمام مبنى المدرسة والمطرانيّة، مطالبين بإنقاذ فريق كرة القدم وبايجاد حلٍّ لمعضلة فريق كرة السلة. بعضهم حكى عن قلقٍ من اختفاء الفريقين عن الساحة هذا الموسم، والبعض الآخر عن سوء نتائح مرتقب بالنظر إلى الوضع العام الصعب الذي يعيشه النادي.

تسارعت الأحداث قبل أيّام على انطلاق بطولة الدرجة الثانية وشكّل الحكمة فريقاً مقبولاً، بينما كانت الإدارة تشرع في العمل على جمع ما يمكن جمعه من لاعبين متاحين في السوق السلويّة بهدف تشكيل فريقٍ للموسم الجديد.
نظرة أولى إلى الأسماء والشكل الفني للفريقين لا تبعث بأي تفاؤل، ففريق كرة القدم ورغم بدايته التي وُصفت بالجيّدة سيكون من الصعب عليه العودة إلى دوري الدرجة الأولى، خصوصاً في ظل الميزانيات الكبيرة التي وضعتها فرق أخرى طامحة إلى هذا الهدف بضمّها للاعبين كثيرين قادمين من دوري الأضواء، على غرار ما فعل البرج وجاره شباب البرج.
لكن رغم كل شيء تبدو الأوساط الحكماويّة متفائلة بفريق كرة القدم أكثر من فريق كرة السلة على اعتبار أنه تمّ تشكيل فريقٍ على أسس المجموعة التي دافعت عن ألوانه في الموسم الماضي، وذلك من خلال استقدام أصحاب خبرة، أمثال حارسي المرمى علي الحارس وابراهيم موسى، والمدافع زهير عبدالله ولاعب الوسط عيسى رمضان وغيرهم من اللاعبين الذين خَبِروا بطولة الدرجة الأولى سابقاً.
هذا الجو التفاؤلي تجاه فريق كرة القدم ساد أصلاً منذ وصول الإدارة الحالية بوجود عناصر فيها من «محازبي» فريق كرة القدم منذ بدايات تشجيعهم للحكمة، فتزايد الاهتمام بتأمين ما يستلزم لعدم هبوط الفريق إلى الدرجة الثالثة، وهو الذي واجه هذا المصير سابقاً، الأمر الذي كان ليشكّل وصمة عار على صدر هذا النادي العريق، لأن فريق كرة القدم كان هو الأساس، وعمره من عمر الاستقلال (تأسس النادي عام 1943).
إذاً الهم الأوّل أُزيل مؤقتاً، ليبقى الهم الأكبر وهو فريق كرة السلة حيث الصعوبة، على اعتبار أنّه يلعب في دوري الكبار لا المظاليم، ولأنّ الميزانية المطلوبة في ملاعب المستديرة البرتقالية هي أكبر بكثير من نظيرتها الخاصة بالملاعب الخضراء. ومما لا شك فيه أنّ الحكمة سلك نفس الطريق في كرة السلة وفق شعار «جود بالموجود» أو «بما تَيَسَر»، فقد اقتنعت الإدارة أخيراً بأن أولى الحلول للمشاكل الماليّة للنادي هي تشكيل فريق بميزانيّة متوسّطة، وذلك لتفادي زيادة الديون المترتبة على النادي، والتي تبلغ بحسب مصادر «الأخبار» مليون و400 ألف دولار أميركي.
وتتمحور الفكرة هنا حول خوض موسم بميزانية لا تتعدى الـ 700 ألف دولار (تقارب ميزانية فريق كرة القدم الـ 200 ألف دولار)، والعمل على سداد جزء من الديون التي بدأت ترتفع منذ 6 أعوام تقريباً. خطوة يعلّق عليها نائب الرئيس باتريك عون بالقول: «إما هذا التوجه أو ستصبح المشكلة أبدية».

تبلغ ميزانية فريق كرة السلة 700 ألف دولار وكرة القدم 200 ألفاً


ولا يخفي عون أنّه كان من الصعب استقطاب أفضل اللاعبين على الساحة السلوية «لكننا قررنا الذهاب إلى خيار ضم أصحاب الرواتب المتوسطة وبناء فريق للمستقبل، إذ لم تكن خياراتنا عشوائية بل إن العمل تركّز على ضم نخبة اللاعبين الصاعدين الذي سيشكلون نواة فريق قوي بعد سنوات قليلة».
وحديث عون هنا يصوّب بالتأكيد على أسماء مثل عزيز عبد المسيح، يوسف غنطوس وكارل عاصي، لكن على هؤلاء أن ينتظروا لمواسم أخرى لإزاحة النجوم الحاليين في اللعبة، والذين اعتادوا على صناعة الفارق، إضافة إلى العمل المجتهد لرفع مستوياتهم، وهي أمور تحتاج إلى وقتٍ لكي تثمر نتائج مقبولة.
يوافق عون هذا الرأي ويوضح بأن فلسفة الإدارة مغايرة كليّاً عن السابق «إذ نعمل أيضاً على مرحلة تأسيسيّة لأكاديميات في اللعبتين لأن تخريج اللاعبين هي مسألة أساسيّة ومفصلية، أولاً لأنّها تخلق ولاء للنادي وانتماء له على غرار ما كان عليه الأمر في الماضي، بدلاً من ضم «كوكتيل» من اللاعبين من خارج النادي بحسب ما تقتضيه الميزانية». ويتابع «أمّا الأمر الثاني فهو توفير الأموال لمشاريع مثمرة بدلاً من صرفها في سوق الانتقالات قبل كل موسمٍ جديد».
لكن الأكيد أن الحكمة يحتاج إلى أكثر مما ذُكر سلفاً، فالحالة المالية تضع موسمه في خطرٍ حقيقي، وقد علمت «الأخبار» أن المفاوضات مع حزب القوات اللبنانية لم تتوقف بل إنها قد تشهد تقدّماً في الفترة المقبلة، وذلك في موازاة العمل لإنهاء اتفاقيات مع عددٍ من الرعاة، ما يجعل الوضع أفضل من الموسم الماضي حيث بدأ الفريق مشواره قبل أن يؤمّن الأموال اللازمة ثم يتدارك الوضع في مراحل لاحقة، لكن ليس بالزخم الذي كان يتطلبه الأمر للفوز بالبطولة الغائبة عنه منذ 14 عاماً.
ومما لا شك فيه أن الحكمة لديه سلاح قادر على جلب الداعمين وهو جمهوره الكبير الذي لا يغيب عن مشهد ملعب غزير. ويبقى السؤال المطروح: هل سيتقبل الجمهور فكرة مواكبة فريقه إذا لم يكن قادراً على تحقيق النتائج المرجوّة؟
يجيب عون: «نأمل أن يتفهّم الجمهور وضع النادي ويتقبّل الظروف ويبقى خلف الفريق لأنه مفتاح أيضاً لنجاحه والمساهمة في إعادة ترميمه، فالأمور تحتاج إلى أكثر من عصا سحرية لأن هذه المشاكل لا تُحلّ بين ليلة وضحاها». ويتابع: «لم يعد هناك منقذان جاهزان لدفع مليوني دولار في موسمٍ واحد، وهي مقاربة فاشلة أصلاً برأيي لأن المستثمر سرعان ما يغادر بحسب حساباته الخاصة، بينما نحن نضع استراتيجيات مؤسساتيّة لا تعتمد على داعم واحد».
ويستعيد عون مشهداً قديماً أيّام تسلّم جورج شهوان لرئاسة النادي حيث كان فريق كرة السلة بصورة مشابهة، لكنه وصل إلى مرحلة «الفاينال 4»، في وقتٍ واكبه الجمهور لأنّه شعر بأن الفريق بحاجةٍ إليه، ما ساهم في دفع عجلة العمل وجذب المعلنين الذين انتشرت أسماء مؤسساتهم في قاعة مجمع فؤاد شهاب الرياضي في جونية.
هذا الجمهور الذي فاجأ الجميع في المباراة الافتتاحية لفريقه في بطولة الدرجة الثانية لكرة القدم عندما حضر (على غير عادة) بأعدادٍ لافتة إلى الملعب، وتلقى أيضاً وعداً من مدرب الفريق السلوي غسان سركيس بأنه سيقدّم فريقاً يفاجئ جميع المشككين بقدراته الفنية.
إذاً هي حلقات مترابطة تبدأ من خطة عمل إدارية تتطلب الاستقرار، ومواكبة جمهور لاستقطاب رعاة، ومواصلة العمل على إنقاذ نادٍ قال البعض إنه دخل مرحلة الاحتضار بعد 75 سنة على ولادته.