ثلاث مراحل مرّت على الدوري اللبناني موضحةً إلى حدٍّ ما شكل المنافسة التي لم تخرج عن التوقعات التي سبقت انطلاق الموسم الجديد، لناحية المستوى الذي يمكن أن يقدّمه كل فريق. لكن بالتأكيد من المبكر جداً الحديث عن فائز باللقب أو فريقٍ متراجع أو آخر سيهبط إلى دوري الدرجة الثانية، بل يمكن الإشارة إلى أمورٍ أساسية قد تحدد مسار كل فريق انطلاقاً من قراءة فنيّة للمباريات الثلاث التي خاضتها الفرق.

كان النجمة الوحيد الذي تصدّر اللائحة بالعلامة الكاملة بثلاثة انتصارات، رافقتها بعض الانتقادات القلقة حول إمكانية بقاء الفريق «النبيذي» لفترة أطول في الصدارة بعدما عانى في مرات عدة للخروج بالنتيجة الإيجابية.
الواقع أن النجمة حقق الأهم وهو حصد النقاط الكاملة في كل مباراة بعيداً من تقديم مستوى يعكس صورة فريقٍ بطل، إذ ظهرت لديه بعض المشاكل، أوّلها الانسجام الضعيف بين مجموعة لاعبيه الذين لم يعتادوا على الوافدين الجدد في مرحلة أولى، أو على المقاربة الاستراتيجيّة للمدرب الصربي بوريس بونياك. أمّا المشكلة الثانية فهي البطء الذي يصيب الفريق خصوصاً بغياب نجمه الأوّل حسن معتوق، وعدم وجود لاعبٍ يمكنه الربط بين الخطوط وترجمة الاستحواذ إلى شيءٍ ما في الحالة الهجوميّة.
ويُحسب لبونياك نفسه كيفيّة قيادة النجمة إلى الانتصارات بقدرته على قراءة خصومه بشكل ممتاز، وبحسب الظروف التي تمرّ بها المباريات، فحصل هذا الأمر في لقاء «الدربي» أمام الأنصار، ثم في المواجهة مع نادي طرابلس بإشراكه حسن المحمد الذي سجل له هدف الفوز وبعدها بتبديلاته الهجوميّة أمام الاخاء الأهلي عاليه، والتي أثمرت أهدافاً أيضاً. ويبقى أن يَجهز المهاجم البرازيلي فيليبي دوس سانتوس بدنياً، ويندمج أبو بكر المل أكثر في الحالة الجماعية، ويجد بونياك حلّاً للجهة اليسرى «الغائبة» بوجود ظهير أيسر جيّد، ليكون الفريق قد أصبح متكاملاً دفاعياً ومرعباً هجومياً لكل الخصوم.
وبالحديث عن الرعب الهجومي، كان العهد، حامل لقب الموسم الماضي وثاني الترتيب حالياً، قد قدّم نفسه بهذا الشكل عندما سحق الصفاء بسداسيّة نظيفة في المرحلة الافتتاحيّة. لكن بعدها أُجبر بطل لبنان على تقديم مجهود مضاعف لاقتناص نقطة أمام الراسينغ على ملعب الأخير. تعثر جعل البعض يشكك في قدرات الفريق الأصفر، لكن الطريقة التي عاد فيها إلى المباراة بعد تأخره بهدفين تؤكد بأن العهد لم يخسر شيئاً من قوته المفترض أن تكون أكبر هذا الموسم وسط التعزيزات المهمة التي قام بها النادي.
صحيح أن العهد لا يتصدّر حالياً، لكن ليس في الأمر مشكلة بالنسبة إليه طالما يقدّم «صورة البطل» في أدائه، إذ يعلم أن الانتصارات والنقاط ستأتي لا محالة. لكن المشكلة التي عانى منها هي تأثره بالغيابات وعدم جهوزية بعض اللاعبين، ما أجبر المدرب باسم مرمر على إشراك عناصر معيّنة في غير مراكزها، ما أثّر على أداء الفريق وفعاليته تماماً كما حصل في المباراة أمام الراسينغ. لكن ما يمكن تخيّله هو ما سيقدّمه بطل الموسمين الأخيرين عند عودة أحمد زريق للمشاركة أساسيّاً إلى جانب محمد حيدر، وانضمام ربيع عطايا إليهما بعد استعادته لجهوزيته البدنية كاملة. هنا سيكون عمل المدرب مرمر لإيجاد التوازن في التشكيلة بوجود ثلاثة لاعبين هجوميين يلعبون بالقدم اليسرى ويحبون الاحتفاظ بالكرة، ولو أن حيدر ظهر في الموسم الماضي نجماً يلعب من أجل المجموعة قبل كل شيء.

حقق النجمة الأهم وحصد النقاط الكاملة بعيداً عن تقديم مستوى يعكس صورة فريقٍ بطل


أما ثالث الترتيب أي السلام زغرتا، فهو بلا شك سيكون فريقاً خطيراً ويُحسب له ألف حساب، خصوصاً عندما يلعب على أرضه في المرداشية. ويكفي أنّ الزغرتاويين قدّموا أنفسهم بقوة أمام فريقٍ مثل الرجاء البيضاوي المغربي في كأس زايد للأندية الأبطال، لإدراك ما يمكنهم تقديمه على الساحة المحليّة. وما ينقص الفريق حالياً هو معرفة أكبر للمدرب التونسي طارق ثابت بخصومه في الدوري، واندماج لاعبيه أكثر مع بعضهم البعض، ليصبح السلام خطراً على الجميع، كما كان خلال المواسم الماضية، وتماماً كما يفعل نجماه إدمون شحادة والموريتاني أمادو نياس في كل مباراة.
وبعد ثلاثي الصدارة، وقفت خمسة فرق، أبرزها طبعاً الأنصار، الذي يمكن القول إنّ النتائج ظلمته في بداية المشوار في الدوري. الفريق الأخضر تبدّلت هويته مع وصول المدرب الأردني عبدالله أبو زمع، والذي ظهرت لمساته الإيجابية بوضوح وبشكلٍ سريع على الفريق. فريقٌ تلقى أربعة أهداف في مباراة «الديربي» أمام النجمة، لكنه كان الأفضل في غالبية فتراتها، وهي مسألة تعكس أمرين أساسيين يحتاجهما «الأخضر»: أولاً معرفة ابو زمع بشكلٍ أكبر بقدرات لاعبيه لكي يظهّر كل أفكاره، ومنها ما جعل الفريق يبدو أفضل من الموسم الماضي. أمّا ثانيها فهي إيمان اللاعبين أنفسهم بإمكانية هزيمتهم لأي خصم، وهي مسألة حاسمة كون الأنصار فقد الثقة بنفسه في المواسم القريبة الماضية بفعل تراجعه تباعاً أمام الحضور القوي لفرقٍ عدة في الدوري.
الأكيد أن «الزعيم» بدا بشكلٍ هجومي أجمل بوصول حسن شعيتو «موني» ووجود التونسي المميز حسام اللواتي، وفي حال استعاد الأول شهيته التهديفية التي وضعته كثاني هدافي الموسم الماضي (بالتساوي مع معتوق)، ومواصلة الثاني تقديم المستوى نفسه، وبوجود السنغالي الحاج مالك سيكون الأنصار فريقاً منافساً على اللقب حتى الأمتار الأخيرة.
أمّا بالنسبة إلى الفرق الأخرى التي تتساوى معه بعدد النقاط، فإن نادي البقاع يمكن أن يبني على ما قدّمه حتى الآن في المراحل الثلاث الأولى وعلى قوّته في ملعبه. أما الراسينغ ومن خلال ما ظهره عليه في مباراتيه الأخيرتين، فإنه عندما يصل إلى جهوزية بدنية مثاليّة بعد تأخّره في إطلاق استعداداته، وعندما ينتهي من مشاكله الدفاعيّة، فإنه سيكون فريقاً مزعجاً لأي خصم في المراحل المقبلة.
بدوره، النادي الجنوبي التضامن صور فإن مشكلته الدفاعيّة واضحة بعد خروج حسن بيطار إلى العهد ومنه إلى الانصار، وهي توازي مشكلته في الخطين الآخرين حيث لا صانع ألعاب أو مهاجمٍ يمكنه إحداث الفارق حتى الآن رغم وجود الغاني ستيفان سارفو المنتظر منه أن يقدّم الكثير.
وبالنسبة إلى الاخاء الاهلي عاليه، فهو ورغم الخسارة القاسية بالنتيجة أمام النجمة، يبقى الفريق الذي يفترض الحذر منه، فهو يعرف كيفية الاستحواذ وفرض شخصيته أمام أي خصم. لكن مشكلته تكمن في قصر تشكيلته عندما تضيق الخيارات بفعل الإصابات أو حالات الإيقاف، تماماً كما حصل في مباراته الأخيرة حيث وجد على مقعد البدلاء أربعة لاعبين فقط إلى جانب حارس المرمى الاحتياطي، الأمر الذي أجبر المدرب العراقي عبد الوهاب ابو الهيل على اعتماد استراتيجية جديدة لم تعطه ما أراد، فكانت أولى الهزائم على ملعب بحمدون بعد 10 مباريات متتالية نظيفة.
وتبقى فرق الشباب الغازية وشباب الساحل وطرابلس والصفاء بحاجةٍ إلى إعادة ترتيب أوراقها، الأول دفاعياً، والثاني هجومياً، ومن الناحيتين بالنسبة إلى الأخيرين اللذين تغيّرا كثيراً عن المستوى الذي قدماه في الماضي القريب، ولن يكون بمنأى عن التهديد بالهبوط إلى دوري المظاليم في الدرجة الثانية في حال واصلا النسج على المنوال عينه.