بعد نهاية الجولة التاسعة من الدوري الفرنسي، يحتّل فريق الإمارة الفرنسية موناكو المركز الثامن عشر في ترتيب الدوري. مركز لم نعتد مشاهدة فريق قدّم مواسم أخيرة مميّزة قابعاً فيه. خمس هزائم، ثلاثة تعادلات وفوز وحيد، حصيلة موناكو بعد مرور تسع جولات من الدوري الفرنسي «ليغ 1». أضف إلى ذلك خسارتين أوروبيتين في دوري الأبطال أمام كلٍّ من أتلتيكو مدريد ودورتموند. جارديم الرائع الذي بنى كل شيء «طار» فجأة.

المباراة أمام «المارد الأصفر» حملت معها نتيجة ثقيلة بالنسبة إلى موناكو ومدربه البرتغالي ليوناردو جارديم. ثلاثة أهداف تلقتها شباك الفريق الفرنسي على أرضية ملعب «سيغنال إيدونا بارك»، من دون أيّ ردة فعل من موناكو، لتنتهي المباراة بثلاثية بيضاء لصالح ماركو رويس وزملائه. انقصم ظهر البعير. كل هذه النتائج السلبية أوروبياً ومحلياً، لا بدّ من وضع حدّ لنهايتها. نهاية هذه النتائج غير المبررة، بالنسبة إلى إدارة نادي الإمارة الفرنسية، تمثّلت بإقالة المدرب جارديم من منصبه كمدرب للفريق. فجأة، تصرف موناكو كما لو أنه ريال مدريد، أو يوفنتوس، ونسي أنه فريق أراد لنفسه أن يكون تجارياً.
كرة القدم رياضة تقوم على الحصاد. ففي حال استمرار النتائج الإيجابية، ومواصلة تحقيق الانتصار تلو الآخر، حينها، لن يقترب شبح الإقالة من أي مدرب لأيّ فريق يقدّم أداء مميزاً. إلّا أن بداية الموسم بالنسبة إلى جارديم، كانت أسوأ من أي توقّع لأكثر الجماهير تشاؤماً من موسم سيهبط فيه مستوى الفريق. أقيل جارديم، ولكن السؤال، هل فعلاً الحل يكمن في إقالة مدرّب قدّم أربع سنوات «خيالية» في فترة تدريبه؟ واقعياً، أي مدرّب لا يقدّم النتائج المرجوّة، بل على العكس تماماً، يقدّم نتائج «كارثية»، من الطبيعي أن تتّجه حينها إدارة الفريق لقرار الإقالة، إلا أن الأمر يختلف قليلاً مع جارديم. كيف؟ المدرب البرتغالي الذي بدأ مسيرته التدريبية مع فريق كاماتشا البرتغالي، أعاد إلى موناكو الرّوح التي افتقدها في السنوات الماضية. يعتبر المدرب البرتغالي بأن تجربته التي تخطت 15 عاماً من الخبرة بين عدّة أندية قبل أن يصبح المدير الفني لنادي موناكو في 2014. لكنها خبرة ولا شيء أكثر من الخبرة. وجارديم نفسه دائماً ما يميّز بين المعرفة وما بين الخبرة، منحازاً إلى الخيار الثاني لأنه يوفر الكثير من الانضباط في اختياره لقراراته وفي وقوعه في أقل عدد من الأخطاء. جارديم، مدرّب، يضع نصب عينيه النجاح. يستحق القليل من العدالة، بعد كل ما فعله موناكو. لطالما قال جارديم إنه لا يمكن تحقيق التحسّن إلا بالتحليل، وأن يكون المدرب قريباً من اللاعبين، وأن تكون ثقته عالية في إمكانياتهم. هذا الأمر اعتبره جارديم السر وراء نجاحاته في السنوات التي قضاها في موناكو. الإدارة فجأة نسيت كل شيء.
في الواقع، كان جارديم قد بلغ الـ27 من عمره عندما شغل أوّل منصب في عالم التدريب، حيث أصبح مساعداً لمدرب فريق كامتشكا البرتغالي. ولد جارديم في فنزويلا من أبوين برتغاليين، قبل أن تعود عائلته إلى منطقة ماديرا البرتغالية والتي تنحدر منها العائلة. ولد في جزيرة كريستيانو رونالدو، وهذه مفارقة. درس جارديم الرياضة في الجامعة، وحتى اليوم، لم يتغيّر طبع المدرب البرتغالي. ما زال «أكاديمياً» يحب الابتعاد عن أضواء الإعلان والصحافيين. لا يحب أن يكون قريباً منهم. ينظر إلى كرة القدم كلعبة قبل أي شيء آخر. يحب علم الاجتماع، بل إنه يعتبر نفسه تأثر كثيراً بعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران. ففي مقابلة مع صحيفة «ليكيب» الفرنسية، كشف جارديم عن مدى تأثره بالفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي موران، حيث قال: «عشقت مقاربة إدغار موران، وعلاقته مع تعقيدات العالم. في مواجهة الفشل، لا يبحث عن تبسيط الأمور وتوجيه أصابع الاتهام إلى نقص في مكان ما. لديه نظرة متناغمة للحياة». كان هناك الكثير من ردود الفعل بسبب ما قاله جارديم عن عالم الاجتماع موران، حتّى وصل الأمر إلى موران نفسه الذي قال بدوره: «عملي يثير الاهتمام العام لدى الناس في مجال التعليم، الشركات، الطب... لكنها المرة الأولى التي يذكرني كمدرب كرة قدم كبير، أنا هاو لكرة القدم وأفكّر بفن هذه الرياضة واستراتيجيتها. تبادل وجهات نظرنا أمر يثير اهتمامي».

حقق «المعجزة» التي لم تستطع الفرق الفرنسية الأخرى تحقيقها


برأي ليوناردو، الشيء الأهم لكي تصبح مدرباً كبيراً، هو امتلاك هذا المدرب لصفات القيادة. فمن دون هذه الصفات لا يمكن أن يصل المدرب إلى مبتغاه، ويحقق النتائج التي طلبتها منه إدارة النادي. القيادة هي التي تحبب اللاعبين بالمدرب، وهذا أمر منطقي بالنسبة إلى أي فريق يمتلك مدرباً ناجحاً. مرّ جارديم على كثير من الفرق في مسيرته التدريبية (والتي لم يسبقها فترة كلاعب، فقد بدأ جاريدم مسيرته التدريبية في عمر الـ19 سنة، وقاد حينها فرق ما دون 13 سنة)، لعل أبرز هذه الفرق، سبورتينغ لشبونة البرتغالي، أولمبياكوس اليوناني (أتى خلفاً لمدرب برشلونة الحالي ارنستو فالفيردي). إلّا أن جارديم يصف تجربته في موناكو في تصريحات بالمختلفة تماماً، نظراً إلى أهداف الفريق المختلفة عن بقية الفرق التي مرّ عليها. بحسب جارديم، يجب دراسة البلاد التي يريد أي مدرّب أن يخوض تجربة في تدريب فريق منها. معرفة تراث وعادات وتقاليد هذه المنطقة أو غيرها، بالإضافة إلى دراسة اللغة، للتعامل مع الصحافة ومع أبرز لاعبي الفريق، هو من أساسيات نجاح المدرب في مسيرته. لم يحقق جارديم الإنجازات الكبيرة في مسيرته (لقب الدوري اليوناني مع أولمبياكس كأبرز لقب)، إلا أن تجربة البرتغالي مع موناكو كانت الأهم والأكبر في مسيرته.
موناكو أو غيره. وفي حقبة المدرب جارديم، وتحديداً قبل سنتين من الآن، قدّم ليوناردو، فريقاً فرنسياً استطاع المنافسة في دوري أبطال أوروبا، الأمر الذي عجزت عنه أموال الفريق الباريسي باريس سان جيرمان. وصل أبناء المدرب البرتغالي قبل موسمين من الآن إلى نصف نهائي دوري الأبطال، بعد أن أقصى فريق مانشستر سيتي الإنكليزي بقيادة مدربه الإسباني بيب غوارديولا. أمر ليس بالسهل، أن تُخرج غوارديولا من دوري الأبطال. وأن تواصل المسير في البطولة. خرج جارديم من أعرق البطولات الأوروبية على يد الفريق الإيطالي يوفنتوس. محلياً، الأداء لم يختلف كثيراً، بل إن جارديم حقق «المعجزة» التي لم تستطع الفرق الفرنسية الأخرى تحقيقها، التمكّن من الفوز بلقب الدوري في ظل وجود «حوت المال» فريق باريس سان جيرمان.
رغم كل شيء، كان بين موناكو وجارديم علاقة مميّزة. فقد جاء المدرب البرتغالي في 2014، ليكون المؤسس لمشروع فريق فرنسي، فريق كرة قدم فرنسي، أو لنكن واضحين، فريق كرة قدم «تجاري» فرنسي. جارديم، عمل بأهداف إدارة النادي، وأسس فريقاً تمكّن من إبهار أوروبا بزاده البشري والذي يعتمد في المقام الأول على المواهب الشابة. هذه المواهب، كان مصيرها الخروج من أسوار ملعب لويس الثاني. القائمة طويلة، ولكن لعل أبرز هؤلاء اللاعبين: أنتوني مارسيال (80 مليون يورو)، بيرناردو سيلفا (70 مليون يورو)، فابينو (50 مليون يورو)، كيليان مبابي (180 مليون يورو)، توماس ليمار (60 مليون يورو)، باكايوكو (40 مليون يورو) وبنجامان ميندي (50 مليون يورو). كلّها أسماء صنعها ودشّنها المدرب البرتغالي ليوناردو جارديم. أموال كثيرة امتلأت بها خزينة نادي موناكو، وكل ذلك كان جرّاء الاتفاق الذي كان بين جارديم وإدارة نادي الإمارة. لكن المدرب البرتغالي، أعطى النادي أكثر ممّا كان متوقّعاً، أعطى الإدارة كأس الدوري الفرنسي، إضافة إلى عائدات الوصول إلى نصف نهائي دوري الأبطال منذ موسمين، وربع النهائي في الموسم الماضي. ما حدث مع جارديم وإقالته من منصبه، يعطينا فكرة عن مدى تغيّر عقلية فريق، يعتمد سياسة تجارية، كان يديرها جارديم، إلا أن الأخير، لم يستطع أن يستمرّ بهذه السياسة لخامس موسم توالياً. تحوّل جارديم بنظر إدارته من بطل التعاقدات، البطل الذي ملأ خزينة النادي بالملايين، إلى مدرب منكسر، لم يعد يملك أيّاً من لاعبيه، محاط بسيوف إدارة، لم تعجبها بداية موسم فريقها، من دون معرفتها، بأن هناك جزءاً كبيراً من المسؤولين عن هذه النتائج السيئة، يتعلّق مباشرةً بها وبسياستها. جارديم ضحية وليس جلاداً.



تيري هنري «راجع»
بعد إقالة المدرب البرتغالي لنادي موناكو الفرنسي، ليوناردو جاريدم من منصبه كمدرب للفريق، تناقلت الصحف الفرنسية اسم لاعب برشلونة الإسباني السابق وأرسنال الإنكليزي السابق الفرنسي تيري هنري كخليفة للمدرب جارديم. يشغل اليوم تيري هنري مهام مساعد مدرب المنتخب البلجيكي الإسباني روبيرتو مارتينيز، وكان من ضمن الطاقم التدريبي الذي خاض غمار بطولة كأس العالم الأخير في روسيا. قال نجم تشيلسي الإنكليزي ولاعب المنتخب البلجيكي إيدن هازار إن مساعد مدرب منتخب بلاده، لا يزال يفتقد للخبر التي تخوّله ليكون مدرباً لفريق معيّن، حيث أضاف: «تيري كان لاعباً كبيراً، ونحن نكتسب منه الكثير من الخبرة في التدريبات، وبرأيي أنه سيكون له شأن كبير في مهام التدريب». من المتوقّع أن يكون تيري هنري هو المدرب الجديد لنادي الإمارة الفرنسية، وبحسب تجربته مع منتخب بلجيكا، وآراء بعض اللاعبين، من الممكن أن يكون هنري البديل المناسب، وينتشل الفريق من بئر النتائج السيئة مع بداية الموسم.