كما هي حال فريق أياكس أمستردام الهولندي، يفرض منتخب «الطواحين الهولندية» طريقة لعبه في كل مباراة كان يخوضها. الحفاظ على الكرة، الضغط العالي، والبداية من الخلف. إنها الكرة الشاملة وانعدام المركزية بين اللاعبين. شروط كان المنتخب الهولندي يطبّقها في السنوات الماضية، إلى جانب الفريق الأكبر في الأراضي المنخفضة، الذي اشتهر بطريقة اللعب هذه، وهو أياكس أمستردام. الأخير لا يزال مستمراً. ما زال وفياً لأفكاره القديمة ولطريقة لعبه المميّزة والفريدة، على الرّغم من التراجع الذي شهده الفريق في السنوات الماضية، وعدم منافسته في دوري الأبطال، إلّا أن أياكس يبقى أياكس. الفريق الذي أتعب بايرن ميونيخ في «آليانز آرينا» هذا الموسم. ما شاهدناه في مباراة المنتخب الهولندي الأخيرة، أمام المنتخب الألماني في بطولة «دوري الأمم الأوروبية» كان مغايراً تماماً للثقافة الهولندية ولما يعرفه الجميع عن هولندا وعن ما يقدّمه هذا المنتخب العريق. كان دفاعياً إلى حدٍّ كبير.

النتيجة كبيرة، ومهمة معنوياً، إلّا أن الأداء لم يكن كبيراً، فوز هولندي بنتيجة 3-0، قابله سيطرة ألمانية مطلقة طوال مجريات المباراة، أمر لم نعتد على مشاهدته من قبل المنتخب الهولندي. كيف ذلك، والهولنديون هم من بنوا فكرة «الكرة الشاملة». المباراة احتضنها ملعب «يوهان كرويف»، الاسم الذي لم يمثّله اللاعبون على أرضيّة الملعب. اللاعبون لا يشبهون كرويف، اللاعبون يشبهون رونالد كومان. مدرّب هولندي سابق لفرق كساوثهامبتون وايفرتون الإنكليزيين، وجد نفسه مدرّباً للمنتخب الهولندي في الثاني من شباط/فبراير من العام الجاري. لكن، ورغم الفوز الكبير، وبوضوح تام، فإن كومان لا يشبه هولندا. هذا ملخّص المباراة الأخيرة التي فاز فيها المنتخب الهولندي أمام المنتخب الألماني الجريح. ثلاثية نظيفة، نتيجة تجعل من لم يشاهد المباراة، يؤمن بعودة المنتخب الهولندي، وأن من له تاريخ، سيعود من جديد. إلّا أن نتيجة مباراة أول من أمس، نتيجة «خادعة»، وأرقامها لا تنطق بالحقيقة. هولندا تمكنّت من الفوز على أسوأ نسخة من المنتخب الألماني. تمكّنت من الفوز على ألمانيا التي خرج رجالها من الدور الأول في المونديال الأخير.

يمتلك كومان ثنائياً في خط الدفاع من أفضل مدافعي العالم حالياً


يجب على المشاهد والمتابع لكرة القدم، أن لا ينغرّ بالنتائج الإيجابية الأخيرة التي قدّمها المنتخب الهولندي في مبارياته الأخيرة. لعلّ أبرز سبب هو الفقر الذي يعاني منه منتخب المدرب كومان. أسماء كبيرة مرّت في تاريخ هذا المنتخب. ماركو فان باستن، رود خوليت وفرانك رايكرد، وهم ثلاثي ميلان الإيطالي الذهبي. دينيس بيركامب نجم أرسنال الإنكليزي. فان بيرسي هداف أرسنال ومانشستر يونايتد السابق. آريين روبين المعتزل حديثاً إلى جانب ويسلي شنايدر. كلّها أسماء «عملاقة»، تجعل المتابعين والشغوفين بكرة القدم، يتذكّرون بأن هولندا قدّمت لنا أسماء لم تعد موجودة في التشكيلة الهولندية الحالية من ناحية القيمة. تشكيلة منتخب «الأراضي المنخفضة» اليوم، تعتمد بالمقام الأوّل على أسمائها الدفاعية، فيمتلك المدرب رونالد كومان ثنائياً في خط الدفاع من بين أفضل مدافعي العالم في الوقت الرّاهن، كل من قائد المنتخب ومدافع ليفربول الإنكليزي فيرجيل فان دايك، بالإضافة إلى الموهبة الدفاعية الشابة، لاعب أياكس ماتياس دي ليخت. هذا الأمر يعطينا فكرة عن مدى التغيير الذي شهدته الكرة الهولندية، حيث أن أبرز لاعبي الفريق هم في خط الدفاع. طبعاً هذا لا ينقص من أن ممفيس ديباي هو الآخر يقدّم موسماً مميزاً مع فريقه ليون الفرنسي ومع منتخب بلاده، إلّا أن ديباي، لا يرتقي ليقارن بكل من الأسماء التي تم ذكرها، ديباي هو ديباي، ليس بروبين أو بفان بيرسي.


ثقافة كرويف، انتقلت بين جيل وجيل. ثقافة لعب ترجمها في أياكس أمستردام كمدرب للفريق، قبل أن يأخذها معه إلى برشلونة، ليتحوّل ومنذ ذلك الوقت شكل الفريق الكاتلوني، ليصبح مشابهاً لما كان عليه فريق أياكس. استمرّ المدرب الهولندي فرانك رايكرد بتطبيق هذه السياسة في برشلونة، والتي تعتمد في المقام الأول على اللاعبين الشباب، وهذا ما قام به رايكرد مع النجم الأرجنتيني ليو ميسي. خلف رايكرد، مدرب يعتبر اليوم، وبرأي الكثيرين، المدرب الذي أحدث ثورة في عالم كرة القدم، المدرب الإسباني الكاتلوني بيب غوارديولا. الأخير، غيّر من ثقافة الفريق، بل إنه طوّرها، لتصبح ربّما أفضل نسخة لفريق يمارس كرة القدم. ليولد مصطلح كروي جديد عرف بالـ«تيكي تاكا». ثقافة كرويف، مستمرة في برشلونة وفي منبعها الأوّل أياكس، الفريق الذي سمّي الملعب الخاص به على اسم مدربه ولاعبه التاريخي السابق. لمن يشاهد أياكس اليوم، أو قبل خمس سنوات، أو في ثمانينيات القرن الماضي، لن يشعر بالفرق، ولن يختلف عليه شيء سوى أسماء اللاعبين، وسيلاحظ بأن هذا الفريق الهولندي، لا يفقد الإيمان بطريقة لعبه، التي بنهاها عرّابه كرويف. اسم هذا اللاعب العظيم، بدا وكأنه بدأ ينهار في المنتخب الهولندي. طريقة دفاعية خالصة، ترجمها المدرب كومان أمام ألمانيا، والتي أدّت إلى فوز هولندا بالمباراة، ولكنها خسرت ثقافتها.


لوف يبحث عن غوارديولا
عندما تعاقدت إدارة النادي الكاتلوني مع المدرب الإسباني بيب غوارديولا في 2009، قدّم هذا المدرب شكلاً جديداً لبرشلونة. طريقة لعب لم نرها من قبل. نقلات قصيرة بين اللاعبين، وكان الاعتماد على خط الوسط يأتي في المقام الأول. أسماء كبيرة نمت وأصبحت أسماء ذات شأن كبير في الفترة التي كان فيها بيب، أندريس إنييستا وتشافي هيرنانديز، دافيد فيا، كارلوس بويول وجيرار بيكيه، سيسك فابريغاس، كلّها أسماء كان لها تأثير كبير في رفع إسبانيا للقب كأس العالم في مونديال البرازيل في 2010. ناهيك عن الأسماء، كان المنتخب الإسباني يجعل المشاهد يظن بأن لاعبي برشلونة قاموا بارتداء قميص المنتخب الإسباني بدلاً من قميص برشلونة. فريق يدير منتخب بلاده، هذا ما شاهده الجميع في مونديال 2010، وفي يورو 2012، البطولاتان التي حققهما المنتخب الإسباني في الفترة ذاتها التي كان فيها بيب مدرباً للفريق الكاتلوني. الأمر عينه حدث في 2014، عندما كان بيب مدرباً لبايرن ميونيخ. كما حال إسبانيا وبرشلونة، تأثر المنتخب الألماني ومدربه يواكيم لوف بأفكار بيب، حيث أن ألمانيا، وبقرارات من لوف، لعبت في كثير من المناسبات من دون رأس حربة صريح (ماريو غوتزه شارك في كثير من المباريات في مركز المهاجم الوهمي). ناهيك عن تغيير مركز الظهير الأيمن فيليب لام من ظهير إلى لاعب ارتكاز في البايرن، أدّى ذلك التغيير لأن يقوم لوف باستنساخ هذه الفكرة، وجعل لام لاعب ارتكاز إلى جانب باستيان شفاينشتايغر في المنتخب الألماني. مدرّب عبقري، تفتقده اليوم إدارة البايرن، كما يفقتده لوف من «تحت الطاولة». وفي حديثنا عن المنتخب الألماني وخسارته الكبيرة أول من أمس أمام هولندا بثلاثية نظيفة، لم ترحم الصحف الألمانية منتخب بلادها والمدرب لوف. حيث ذكرت صحيفة «بيلد»: «هل ما زالت توليفة لوف من أبطال العالم 2014 هي مفتاح الفوز؟ في التشكيلة الأساسية يوجد، نوير، هاملز، بواتنيغ، كروس ومولر، أي خماسي توج بطلاً للعالم. وكان لوف صرح قبل المباراة: لدي الثقة بهؤلاء اللاعبين». وأضافت: «لا وجود لجرأة مبتكرة، لأفكار في اللعب، لا فعالية أمام المرمى، قام لوف بإشراك مهاجم شالكه أوث الذي لم يسجل أي هدف هذا الموسم، وترك الجناحين الرائعين سانيه وبراندت على مقاعد الاحتياط». من جهتها انتقدت صحيفة «سودوتشه تسايتونغ» أداء المنتخب وقالت: «مشاكل الفريق ليست فقط في الجانب الهجومي غير القادر على التسجيل، لكن أيضاً من ناحية الدفاع وبناء اللعب». واعتبرت صحيفة «أبندتسايتونغ» بأن الفترة السيئة التي يمر بها بايرن ميونيخ تنعكس سلباً على المنتخب الوطني حيث يدافع عن الأخير خمسة لاعبين من الفريق البافاري، حيث ذكرت: «لاحظنا ضياع لاعبي بايرن ميونيخ، وحده جوشوا كيميتش أقنع في مواجهة هولندا، أما جيروم بواتنغ فكان غائباً تماماً».