قبل أسابيع قليلة، اختُتمت بطولة لبنان في كرة اليد. المباراة النهائيّة التي جمعت نادي الصداقة بنادي فوج إطفاء بيروت انتهت إلى مصلحة الأوّل بعد انسحاب الثاني، وحصول خلاف كبير وصل إلى حد التضارب بين اللاعبين. فاز الصداقة، لكن الأمور لم تنتهِ هنا. اتخذ اتحاد اللعبة قرارات بحق الذين شاركوا في الإشكال، وعلى الجهة المقابلة خرجت مجموعة لاعبين ومدربين سابقين وحاليين وإداريين في بعض الأندية للاعتراض على عمل الاتحاد منذ سنوات، الذي برأيهم أدى إلى تراجع اللعبة، وإلى ما وصلت إليه كرة اليد اليوم، حيث يصعب أن تنتهي مباراة نهائيّة أو بطولة دون إشكال.

بعد سنوات من الأخذ والرد بين اتحاد كرة اليد اللبنانيّة، وإدارات معظم أندية اللعبة ولاعبين حاليين وسابقين، اتخذت الأمور اليوم منحى آخر. شكلت مجموعة من اللاعبين والإداريين والمدربين لجنة أطلقت عليها اسم «لجنة تطوير كرة اليد اللبنانية»، حيث بدأت تجول على عدد من المرجعيّات الرياضيّة في البلد (الحزبيّة والرسميّة)، بهدف طرح مشاكل كرة اليد اللبنانية على الطاولة، والعمل على إعادة اللعبة إلى ما كانت عليه منذ سنوات قليلة. برأي هؤلاء، «الوضع لم يعد مقبولاً». نظرة إلى كرة اليد اللبنانية، تؤكد أن اللعبة شهدت تراجعاً كبيراً خلال السنوات الماضية، خاصّة إذا ما جرت مقارنة بالفترة التي امتدت بين 2007 و 2013، الفترة الذهبية للعبة التي شهدت تألق نادي السد (انسحب نهائياً من اللعبة بعد خلافات مع الاتحاد موسم 2014) على المستويين الآسيوي والدولي، حيث حقق بطولة آسيا عام 2010، وحلّ وصيفاً في مناسبتين، كذلك حقق أيضاً المركز الثالث على مستوى العالم، في أهم إنجاز للبنان على مستوى كرة اليد. وفي تلك الفترة أيضاً، كان نادي الصداقة يقدم مستويات مميّزة، على صعيد المشاركات المحليّة والخارجية. الواقع اليوم مختلف، فمشاركات المنتخب الأخيرة، خاصة خلال التصفيات الآسيوية التي أقيمت في البحرين، وبعدها مشاركة منتخب لبنان للسيدات في بطولة غرب آسيا، لم تكن موفقة وعلى قدر الطموحات. كذلك إنّ مشاركات الأندية على مستوى آسيا شبه غائبة أيضاً. حتى على المستوى المحلي، هناك العديد من الأندية التي أعلنت انسحابها من دور الدرجة الأولى خلال المواسم الماضية، ولعبت في الدرجة الثانية، على غرار مار الياس، وحارة صيدا. حتى إن بعض الأندية تركت اللعبة إلى غير رجعة.

بعض الأندية تركت اللعبة خلال السنوات الماضية إلى غير رجعة


هكذا، أصدرت «لجنة تطوير كرة اليد» مجموعة توصيات قالت إن تنفيذها يمكن أن يعيد إلى اللعبة رونقها، يأتي على رأسها الاهتمام بالأندية واللاعبين، والكفّ عن انتهاج سياسة «التطفيش» من اللعبة، وذلك بحسب اللجنة. فاللعبة اليوم تعاني من نقص اللاعبين ونقص الأندية، وهو ما دفع إلى مشاركة بعض أندية المدارس والجامعات في بطولة كأس لبنان الأخيرة. حتى إن هناك نقصاً كبيراً في الملاعب، إذ ليس كل نادٍ يمتلك ملعباً، فغالباً ما تُنظَّم البطولات ولعب مباريات الدوري على ملعب واحد، هو ملعب الصداقة، والأكيد أن هذا الأمر ليس من مسؤولية الاتحاد وحده، بل الأندية والإدارات. ورأت اللجنة أن إعادة العمل بروزنامة سنويّة واضحة، مع اهتمام بالفئات العمريّة، ورفع مستوى الحكام عبر دورات تنظَّم باستمرار (عدد الحكام قليل جدّاً)، وتنظيم دورات للمدربين، كل ذلك يساعد على رفع مستوى اللعبة، وبالتالي استقطاب معلنين وأشخاص يسعون للاستثمار في اللعبة، كما في الماضي. تحركات «لجنة تطوير كرة السلة» ربما لم تعجب الاتحاد، فأصدر نادي الصداقة الذي يرأسه رئيس اتحاد اللعبة عبد الله عاشور، قراراً بمنع لاعبين ومدربين حاليين وسابقين من الدخول إلى قاعة نادي الصداقة خلال دورة المرحوم محمود عاشور لكرة اليد النسائية. وترى مصادر اتحاد كرة اليد أن عمل الاتحاد مستمر، وهو يقوم بدوره بأفضل ما يمكن، عبر تنظيم الدورات، وينظّم الدوري المحلي وكأس لبنان للرجال والسيدات، ويجري الاستعداد هذه الفترة للمشاركة في بطولات خارجيّة على مستوى الأندية والمنتخب للرجال والسيدات.
مرحلة جديدة دخلتها كرة اليد، وتؤكد مصادر اللجنة أن الهدف تطوير كرة اليد وإعادتها إلى ما كانت عليه، وحتى السعي إلى إمكانية أن تكون كرة اليد لعبة شعبية كما في السنوات الماضية في المدارس والجامعات، وبالتالي أن يكون هناك خزّان من اللاعبين. وفي حال الوصول إلى هذه المرحلة، فإن اللعبة ستعود إلى سكّة التطوّر. حتى إن بعض أهل اللعبة بدأوا اليوم يقارنون بين كرة اليد وكرة السلّة، حيث إن منتخب السلة بات قريباً من نهائيات كاس العالم للمرة الرابعة في تاريخه، ويأملون أن تعود كرة اليد إلى سكّة الانتصارات المشرّفة دولياً وآسيويّاً بمشاركة الجميع، ودون إقصاء لأيّ طرف تحت شعار «اللعبة للجميع».