يستقبل أياكس أمستردام الهولندي نادي بنفيكا البرتغالي، في افتتاح الجولة الثّالثة من دور مجموعات دوري أبطال أوروبا وذلك على ملعب يوهان كرويف. لا يبدو الأمر مبهراً. ولكن اسم الملعب وحده كفيل بإظهار إرث أياكس، حيث يشكّل أسطورة الكرة الهولنديّة واحد من كثيرين مرّوا عبر المدرسة الكرويّة العريقة. مواهبٌ عدة شقّت طريقها من هولندا إلى النّجوميّة، جعلت من أياكس أمستردام المدرسة الكرويّة الأشهر في العالم. لكن الجدير بالذّكر هو أنّ بنفيكا يمتلك مدرسة ضخمة للّاعبين الشباب تضاهي مدرسة أياكس على رغم قلّة شهرتها في الأوساط الكرويّة. مواجهة ضخمة بين مدرستين كبيرتين تتشابهان بسياسة ناديهما، حيث يعمدان على استقطاب المواهب الصّغيرة، تدريجها في الفئات العمريّة، تألّقها مع النّادي ثمّ بيعها بمبالغ خياليّة.

على رغم ابتعادها سنواتٍ عدّة عن مسارح التتّويج الأوروبي، لم تتوقّف الأندية البرتغاليّة عن تقديم المواهب الفذّة، حيث ما زالت هذه الأندية تشكّل الأرض الخصبة التي تحصد منها الأندية كبار اللّاعبين. في البرتغال، توجد مدرسة بنفيكا التي أخرجت للعالم مواهب ضخمة، لم تأبه الجماهير بمصدرها، بل اكتفت عند الأندية التي برزت بها. لطالما اعتمد بنفيكا في السّياسة التي يتّبعها على مواهب مدرسته الكرويّة. لاعبون كثيرون تخرّجوا من النّادي الأنجح في البرتغال من حيث الألقاب، شكّلوا الرّكائز الأساسيّة في الأندية التي مثّلوها، وجلبوا العوائد الكبيرة للنّادي البرتغالي جرّاء بيعهم. أظهر النّادي على مرّ التاريخ مواهب كبيرة من طراز روي كوستا، لكن الأسماء لم تأتِ ببذخ إلّا مع نهاية العقد الأوّل من القرن الحالي، حيث تمّ افتتاح «Caixa Futebol Campus» في 2006، وهي أكاديميّة كرة قدم، أنشأها النّادي لبناء فريق يعتمد بشكل كامل على خرّيجيها، بحسب ما صرّح رئيس النّادي وقتها. تتميّز الأكاديميّة باعتمادها الكبير على التّطوّر التّكنولوجي، عبر استخدام تقنيّات تدريبية مبتكرة للمساعدة في تهيئة البيئة الملائمة لتطوير الشباب. الأكاديميّة التي تضم 15 فريقاً شاباً تتوزع على 9 ملاعب عشبية و172 كشّافاً منتشرين حول العالم، نالت لقب أفضل أكاديميّة عام 2015 في حفل توزيع «غلوب سوكر».
مشروع النّادي سرعان ما لاقى النّجاحات، حيث استطاع شباب النّادي الوصول لنهائيّي دوري أبطال أوروبا للشّباب من أصل 4. وعلى رغم الخسارة في النّهائيّين، إلّا أنّ إنجازاً كهذا خير دليل على حجم المواهب الموجودة في صفوف النّادي. إلى ذلك، فإن ظهور شباب بنفيكا بصورة لائقة في البطولة الأوروبيّة، صوّب أعين كبار الأندية الأوروبيّة للتسّوّق من النّادي البرتغالي. ومع عدم قدرة النّادي على مضاهاة النّفوذ المالي الكبير الذي تتمتع به أندية النخبة في أوروبا، فشلت بنفيكا في تحقيق الهدف الرّئيسي للنّادي، بعد أن تمكنت هذه الأندية من اقتناص أغلب مواهب النّادي الفذّة. هكذا، شكّلت أسماء بعض الأندية العملاقة، محفّزاً كبيراً لانتقال مواهب بنفيكا، وقد وجدت هذه الأخيرة بالأموال الطّائلة جرّاء بيعهم، خير معزٍّ لخسارتها، حيث جنى النّادي قرابة الـ376 مليون يورو بعد أن باع 12 لاعباً في الفترة الأخيرة. متى تبدأ الفترة الأخيرة؟ ربما منذ أكثر من عقد. في 2007، خطف نادي بنفيكا موهبة روزاريو أنخيل دي ماريا مقابل 6 ملايين يورو. تألّق اللّاعب في الدّوري جذب أنظار ريال مدريد فوقّع معه مقابل 25 مليون يورو في 2010، ثمّ أعاد ريال الكرّة العام التّالي ليوقّع مع الظّهير الأيسر فابيو كوينتراو مقابل 30 مليون يورو. الموهبة الكبيرة التي تمتّع بها ابن التّانغو صوّبت أعين كشّافي الأندية الكبيرة على نادي بنفيكا، فتمكّن نادي تشيلسي من جلب راميريز بعد أن لمس لديه الرّوح القتاليّة والموهبة العالية. النّجاح الذي عرفه راميريز في صفوف البلوز جعل كشّافي النّادي يبحثون عن موهبة أخرى في خزائن النّادي، فكان لهم ما أرادوا بعد أن حظوا بالموهبة الدّفاعيّة المميّزة (آنذاك) دايفيد لويز. اللّاعب الذي جاء من فريق فيتوريا البرازيلي إلى بنفيكا، لم يحتج أكثر من سنتين ليتألّق ويرحل إلى النّادي اللّندني كأغلى صفقة بيع في تاريخ بنفيكا مقابل 30 مليون يورو. ذهب ماتيتش إلى بنفيكا من تشيلسي كجزءٍ من الصفقة، لكنّه عاد مع جوزيه مورينيو إلى ستامفورد بريدج مقابل 26 مليون يورو بعد أن فاز بجائزة أفضل لاعب في الدّوري البرتغالي.
مواهبٌ أخرى لمع اسمها في أوروبا تكوّنت في بنفيكا، على غرار البلجيكي أكسيل فيتسيل، اللّاعب المنتقل حديثاً إلى دورتموند. أندرسون تاليسكا، أندري غوميز، غونزالو غويديس، والحارس العملاق يان أوبلاك حامي عرين أتليتيكو مدريد.
لم تكن الأكاديميّة منطلق نجاح للاعبين فقط، بل أنها باتت إحدى الركائز الأساسيّة التي يقتات من خلالها وكلاء الأعمال أيضاً. خورخي مينديز، أحد أكبر وكلاء الأعمال في العالم، جنى الكثير من الملايين بعد أن جعل من أكاديميّة بنفيكا أحد أبرز المناجم التي يرعى منها لاعبين، حيث استخدم البرتغالي حرم موطنه كايكسا ليساهم بنقل لاعبي الأكاديميّة إلى أندية أخرى بغية جني الأموال، فكان سبباً رئيسيّاً بانتقال نجم يورو 2016 ريناتو سانشيز إلى بايرن ميونخ، وبرناردو سيلفا، أفضل موهبة للنّادي منذ روي كوستا، إلى موناكو الفرنسي. تصرّف أضرّ بنفيكا كثيراً، ووقف حائطاً أمام مشروعه فتحوّل المشروع إلى استثمار بهدف تحصيل الأموال، لا أكثر.