تطول قائمة أسماء اللاعبين المتقدمين في السن الذين يلعبون مع أندية كرة القدم وتحديداً أندية الدرجة الأولى. لاعبون تجاوزوا الثلاثين وبعضهم الخمس وثلاثين. بعضهم لامس الأربعين، ورغم ذلك يتألقون في الملاعب. يمررون يسجلون ويتفوقون على زملائهم الذين يصغرونهم سناً. أمرٌ يسجّل لهؤلاء اللاعبين الكبار، ويتوقف «الخبراء» عنده، لكنه توقف «سطحي» غالباً، ولا يذهب إلى عمق المشكلة. مما لا شك فيه أن تألق الكبار سببه غياب المتألقين الآخرين، وهم الصغار. ومما لا شك فيه، أيضاً، أن الفرص تلعب دوراً في التألق، فهل تُمنح الفرص بالتساوي؟ وهل هذا التفاوت لمصلحة المتقدمين في السِّن، استناداً إلى عقلية لبنانية «هرمية» إلى درجةٍ أبوية، هو أمر صحي لمصلحة اللعبة؟

يجب أن تُعطى الفرصة للمواهب (أرشيف ــ عدنان الحاج علي)

عباس عطوي، خضر سلامي، أكرم مغربي، بلال حاجو، عباس عطوي «أونيكا»، أحمد تكتوك، وليد اسماعيل، محمد قرحاني، أحمد قرحاني، علي الأتات، اسماعيل فاضل، محمد سنتينا، علي ليلا، حمزة عبود، زهير عبد الله، نصرات الجمل، زهير مراد، علي واصف. هذا ليس سرداً لأسماء جنود شاركوا في حرب. هؤلاء لاعبون تقدموا في السن. وغيرهم كثير من اللاعبين. لاعبون أصبحوا في «خريف العمر» الكروي ورغم ذلك ما زالوا في ربيع عمرهم الفني. نراهم يمررون الكرات الحاسمة ليسجّل زملاؤهم. تجدهم يسجّلون، أو يزودون عن مرماهم. مدافعون متقدمون في السن يقطعون الماء والهواء عن مهاجمين أصغر منهم بسنوات. صحيح أنه أمرٌ يستحق هؤلاء اللاعبون التهنئة عليه لقدرتهم على الحفاظ على نشاطهم رغم تقدمهم في السن، لكن في الوقت عينه يستحق الوقوف عنده طويلاً. هل تألق اللاعبين المخضرمين أمرٌ مفيد للكرة اللبنانية؟ لماذا يتألق هؤلاء، ولا يُسمح للصغار بالتألق؟ هل هو مؤشّر صحيّ عن واقع الكرة اللبنانية؟ هل يعكس تراجعاً للمواهب؟ هل يشير إلى قلة اهتمام بالجيل الجديد؟
محمد قدوح وعلي الحاج اليوم يواجهان مصير هيثم عطوي وهيثم فتال أمس


كلها أسئلة تقفز إلى الواجهة في ظل ما تشهده الملاعب اللبنانية هذا الموسم. بالنسبة إلى المدير الفني لنادي العهد باسم مرمر الذي عمل لسنوات طويلة مع الفئات العمرية تعتبر هذه الظاهرة غير جيدة للكرة اللبنانية. «من الممكن أن تكون جيدة لهؤلاء اللاعبين، لكن من غير المقبول أن يتفوّق لاعبو الخبرة على منافسيهم الأصغر سناً على صعيد اللياقة البدنية». يقول مرمر لـ«الأخبار»، وهو يتفهّم التفوق الفني نتيجة الخبرة. لكن من الناحية البدنية «لا يمكن أن يكون هناك تفوّق للاعبين المتقدمين في السن إلا إذا كانت هناك مشكلة». «المشكلة سببها أن الجيل الكروي الجديد هو جيل الأرغيلة»، يتحدث مرمر عن واقع اللاعبين الصغار. ولكن هذا الرأي، أقرب إلى مزحة، منه إلى الجد، بحيث سرعان ما يوضح مرمر أن تفوق اللاعبين المخضرمين مردّه إلى تراجع الاهتمام بالفئات العمرية في أندية كرة القدم، «وهذا ينعي تراجعاً في ظهور المواهب موسماً بعد آخر. هذا أمرٌ أصبح واضحاً في الملاعب». ففي كلّ موسم يتراجع عدد اللاعبين الذين يتمتعون بالموهبة ويمكن تطوير مستواهم. ويعدّد مرمر عدة متطلبات للنهوض بالفئات العمرية، وبالنسبة إليه يأتي في طليعة هذه المتطلبات ضرورة وجود أخصائي نفسي في الأندية للاهتمام باللاعبين الصغار: «معظم هؤلاء، إلى درجة أن 99% من اللاعبين، يأتون من بيئة فقيرة ويحتاجون إلى أخصائيين لإخراجهم من الحالات النفسية التي يعيشونها»، يقول مرمر.

محمد قدوح وعلي الحاج اليوم يواجهان مصير هيثم عطوي وهيثم فتال أمس


نقطة أخرى مهمة: الاستعانة بمدربين أجانب لتطوير المواهب ورفع مستوى الفئات العمرية، بدلاً من صرف الأموال على الفريق الأول في حين أن تلك الفئات هي الأساس في جميع الأندية وفي مستقبل الكرة اللبنانية. وعموماً، رأي مرمر يتوافق مع رأي المدير الفني في الاتحاد اللبناني لكرة القدم باسم محمد الذي يرى أن تفوق المخضرمين «أمر غير صحي». فهو يرى أن معدل اللاعبين في الأندية عالٍ ويتراوح بين 26 و27 عاماً رغم احتساب أعمار بعض اللاعبين دون 21 سنة. وبالنسبة إلى محمد، فإن تألّق اللاعبين المتقدمين في السن مردّه إلى غياب البديل ووجود ضعف لدى الأندية في بعض المراكز وهذا ما ينعكس على المنتخبات. يأسف محمد لعدم تشجيع اللاعبين الصغار دون 21 عاماً... «فهذا اللاعب يبقى أسير مقاعد الاحتياط حتى يُصاب اللاعب المتقدم في السن أو يتراجع مستواه» يقول محمد لـ«الأخبار». ويقدم المدير الفني للاتحاد مثالاً على لاعبين اثنين هما هيثم عطوي وهيثم فتال. هذان كانا لاعبين موهوبين في النجمة انتظرا ست سنوات قبل الحصول على فرصة لمجرّد وجودهم في فترة كان فيها موسى حجيج وجمال الحاج يتألقان في الملاعب. يقارن محمد وضع اللاعبَين مع زميلهم في تلك الفترة عباس عطوي «أونيكا» الذي كان يلعب مع البرج حينها. اللاعبون الثلاثة كانوا مع منتخب الشباب، لكن «أونيكا» حصل على فرصته مع فريق، فتألق وارتفع مستواه، في حين لم يحصل الثنائي عطوي وفتال على فرصتهما وهذا ما أدى إلى تراجع مستواهما. «الاحتكاك وخوض المباريات يشكّل 80% من تطوير اللاعبين وليس التمارين فقط». المفارقة أن «أونيكا» صار كبيراً اليوم، وما زال يلعب. يقدم المدرب محمد أفكاراً قد يتم طرحها اتحادياً، تقضي بإلزام كل ناد في الدرجة الأولى إشراك لاعب على أرض الملعب عمره لا يتحاوز 21 عاماً، ولا يمكن استبداله إلا بلاعب دون 21 عاماً أيضاً. أو يمكن تحديد عدد معين من الدقائق يجب على اللاعبين دون 21 عاماً خوضها مع فرقهم في الموسم. وهذا الأمر يفتح المجال أمام اللاعبين الصغار للحصول على فرصهم وفي الوقت عينه يؤمّن للمنتخبات وتحديداً المنتخب الأولمبي والشباب خزاناً من اللاعبين. فإذا تم تعميم الفكرة على أندية الدرجة الأولى والثانية فحينها يصبح أمام المدربين ما يقارب الـ48 لاعباً بمعدل 24 لاعباً في كل درجة ليتم الاختيار من بينهم. «لا يعقل أن يكون لاعبو المنتخب الأولمبي لا يلعبون مع فرقهم»، يقول باسم محمد مستهجِناً الواقع على صعيد المنتخبات الأدنى. وإن كانت الفكرة «معقولة»، ولكننا بحاجة إلى أكثر من ذلك، فإن محمد يشير إلى إمكانية فرض حوافز وعقوبات على الأندية التي تلتزم وعلى تلك التي لا تلتزم... «فمن الممكن حسم نقاط أو تغريم الأندية التي لا تلتزم بعقوبات مالية. أما الأندية التي تلتزم فيمكن تشجيعها عبر منحها مكافآت مالية أو إعفائها من التزمات مالية للاتحاد».

شارك «أونيكا» أساسياً في 20 من أصل 22 مباراة مع الأنصار الموسم الفائت


رأيٌ ثالث لمدرب خرّج أجيالاً من اللاعبين سواء في التسعينيات كجمال الحاج وعلي جبيلي والأخوين أبو عليوة وبلال زغلول أو في الجيل الحالي كعلي السبع وحسن العنان وحسين شرف الدين وحيدر خريس. هو مدرب الفئات العمرية في النجمة جمال كلش الذي يرى أن الجيل الجديد يتم «قتله» بسبب توجّه الأندية نحو النتائج بدلاً من بناء جيل للمستقبل. يقدّم كلش مثالين: محمد قدوح وعلي الحاج. فالأول مواليد 1997 وهو «موهبة كبيرة وهداف لكن رغم ذلك استقدم العهد ربيع عطايا الذي تجاوز الثلاثين عاماً ويلعب في نفس مركز قدوح». المثال الثاني هو علي الحاج «الذي يتم إجباره على اللعب مع فريق الشباب بدلاً من الاستفادة منه في الفريق الأول وتتم الاستعانة بحسن المحمد بدلاً منه علماً أن الأخير تجاوز الثلاثين». عيّنتان من عين العارِف، ربما تختصران العقلية الحالية العقيمة، ولا سيما الإفراط في مديح كبار السن خاصةً عندما يكون ذلك على حساب المواهب. إلى ذلك، يلفت كلش إلى أن اللاعب الأجنبي تحول إلى موضة، رواجها يكون غالباً على حساب المواهب الشابة: «هناك نقص في بعض المراكز، لكن بدلاً من أن تلجأ الأندية إلى لاعبيها الصغار لمنحهم الخبرة تراها تذهب نحو اللاعب الأجنبي الذي لا يكون بمستوى جيد في معظم الأحيان»!