كما اعتدنا عليه، سيكون ملعب «فيلودروم» في مدينة الجنوب الفرنسي مارسيليا مكتظاً بجماهير الفريق الفرنسي. هي الأجواء الأوروبية التي تحبّها الجماهير. يستضيف ملعب الفريق الوحيد في فرنسا الذي توّج ببطولة دوري الأبطال اليوم، فريق لاتسيو الإيطالي، الذي يختلف كثيراً بثقافته عن فريق الجنوب الفرنسي. الأخير، يتّصف بـ«فريق الشعب» وفريق الفقراء والمهاجرين. بينما على الجهة المقابلة، يعتبر فريق لاتسيو الفريق الذي تحبّه جماعة «اليمين الإيطالي». يتعارضان بكل شيء. فلاتسيو وجماهيره التي اشتهرت بمواقف وهتافات العنصرية، ستسافر إلى أراضي مدينة مارسيليا، الفريق الذي لا يحبّذ الظواهر «اللاتسياليّة». مباراة تشبه «معركة» بين اليسار واليمين، مباراة بين الجنوب والشمال، وربما تكون أبعد من كونها لقاء بين فريقين في بطولة أوروبية تحت مسمّى «اليوروباليغ».

تصرفات جماهير نادي لاتسيو عجيبة. تأخذ أكثر من شكل. رغم أنه فريق كبير، وأنه لا يجوز التعميم، إلا أن بين هذه الجماهير من يبدأ بتقليد أصوات القرود، للتأثير على اللاعبين أصحاب الأصول الأفريقية. هذه العنصرية ورثها جمهور لاتسيو عن المشجّع الأكبر والأشهر في تاريخ النادي: بينيتو موسوليني. كان الأخير يشجّع لاتسيو، وهذا ربما يشرح كل شيء. ورث هؤلاء المشجعون التعصّب والعنصرية من الشخص المناسب. موسوليني الذي يمثّل الصوّرة الأولى والأبرز لعنصرية «اليمين الإيطالي». والقصة ليست اعتباطية، إذ يرى عالم الاجتماع والخبير في «المشجعين المتعصبين لكرة القدم الأوروبية»، سيباستيان لويس، أن مشجعي لاتسيو الإيطالي، دائماً ما كانوا يعكسون جانباً واضحاً من «اليمين المتطرف».

أبرز مشجعي لاتسيو في التاريخ هو موسوليني


ويقول عالم الاجتماع لويس بأن هذه الأفكار المتشددة، في ملعب «الأولمبيكو»، الملعب التاريخي الذي يتشاركه ناديا روما ولاتسيو، تتركّز بشكل أساسي في الجانب الشمالي من مدرجاته (كورفا نورد)، أي الجانب الذي يتّخده المشجعون المتعصبون لنادي لاتسيو مقراً لهم في السنوات الماضية. تسيطر على المدرّج الشمالي من ملعب «الأولمبيكو» رابطة مشجعي نادي لاتسيو، والتي تعتبر الأكثر تشدداً وتعصباً لفريقها. رابطة «إيريدوتشيبيلي» والتي تعني بالإيطالية «غير القابل للكسر». هذه المجموعة من المشجعين «اللاتسيالي» يعود تاريخ إنشائها إلى 1987. هي الرابطة التي تعتبر منبع «العنصرية» و«الفاشية» بالنسبة إلى النادي اليميني الإيطالي. حسب لويس هذه المجموعة هي مصدر كل شيء: «المشاكل تخرج منها مباشرة نظراً إلى أن الأشخاص المنتميين لها، ولدوا من رحم التنشئة اليمينية المتطرّفة». الأمر متوقّع بالنسبة إلى جماهير تربّت على هذا النوع من الشعارات العنصرية، فالأمر بالنسبة لهم في النهاية يعتبر أمراً عادياً يقومون به، تماماً كغيرها من الشعارات والتي تملؤها الكلمات النابية والشتائم. ولكنّه في الوقت عينه، كارثي.
وبعيداً عن الأجواء اليمينية، نذهب إلى الملعب الذي يتميّز بتنوّع الثقافات: «الفيلودروم». تعتبر مدينة مارسيليا في جنوب فرنسا، من بين أكثر المدن التي استقبلت المهاجرين (من أفريقيا وغيرها من البلدان). تتميّز جماهير الفريق الفرنسي العريق باختلاف ثقافاتها، فتجد على المدرّج ذاته كل شيء، ذلك رغم أن التفاوت الطبقي في مرسيليا صار شاسعاً. لا يحبّون في مرسيليا ظاهرة باريس سان جيرمان، ويصفون فريق العاصمة بفريق المال والفريق الجديد. ما يرفع كعب جماهير الفريق الجنوبي بشكل أعلى من الجماهير الباريسية، هو أن جماهير مارسيليا يرفعها تاريخ فريقها، الأمر المفقود تماماً في باريس. أضف إلى ذلك الحماس في التشجيع، والعلاقة المميزة مع النادي. هو «نادي الشعب»، وصاحب القاعدة الجماهيرية الأكبر في فرنسا. أبناء مارسيليا يحبون مدينتهم وفريقها. «علاقة عاطفية» تربط هذا الفريق مع جماهيره. على الرغم من الانحدارات الكثيرة التي تعرّض لها النادي في السنوات الأخيرة، إلّا أن هذا الأمر، لم يمحُ شغف هذه الجماهير بفريقها. «الفيلودروم» سيبقى كما هو، ومارسيليا مسلّحاً بتاريخه، سيبقى مارسيليا. هي الجولة الثالثة من بطولة «اليوروباليغ»، مارسيليا ومدرّبه رودي غارسيا، سيتحتّم عليهم الفوز. المركز الثالث لا يليق بفريق كفريق الجنوب الفرنسي، ونقطة واحدة من مباراتين، حصيلة سيّئة ربّما ستزيد في مباراة «الفيلودروم» أمام لاتسيو الذي يكافح في إيطاليا، وفي أوروبا سيحاول الاقتراب أكثر من المتصدّر فرانكفورت، من خلال فوز سيكون كالسهم في قلب مارسيليا، الذي سيفقد وبنسبة كبيرة فرصة التأهل إلى الدور المقبل.