قبل أسابيع دار في الشارع الكروي همسٌ عن طلب عهداوي من لاعبيه المعارين إلى الراسينغ وهم من خارج بيروت والذين يقطنون في المساكن التابعة لملعب النادي مغادرة الغرف. كلام ظهر لاحقاً أنه عارٍ من الصحة لكنه في الوقت عينه فتح الباب على طريقة عيش اللاعبين الآتين من المحافظات إلى أندية بيروت وبالعكس، والمعاناة التي يعيشونها يومياً سواء إذا ما كانوا يعيشون بعيدين عن أهلهم أو يقطعون يومياً عشرات الكيلومترات للوصول إلى مكان التمرين.

قبل ما يقارب الثلاثة أسابيع التقى فريقا الراسينغ والعهد ضمن الأسبوع الثاني من الدوري اللبناني لكرة القدم. حينها تعادل الفريقان 2-2 في مباراة تألّق فيها لاعبو الراسينغ، وتحديداً الحارس هادي خليل المُعار من العهد إلى جانب عدد من اللاعبين المعارين أيضاً. بعد أيام دار همس حول طلب عهداوي من لاعبي فريقهم والمعارين إلى الراسينغ مغادرة الغرف التي يقطنون فيها والتابعة إلى ملعب النادي على خلفية التعثّر أمام الراسينغ وتعمّد الحارس خليل تحديداً إضاعة الوقت. خمسة لاعبين هم: هادي خليل، وليد شور، سلطان حيدر، علي صبرا وعلي فحص تمت إعارتهم إلى الراسينغ مطلع الموسم الحالي. لكن هؤلاء لم يغادروا سكنهم داخل الملعب لعدة أسباب أولاً لأنهم لاعبو الفريق وهم مرحّب بهم. ثانياً لأن هادي هو شقيق حارس العهد مهدي خليل، وسلطان هو شقيق محمد حيدر، كما أن وليد شور وفحص وصبرا زملاء لهم، وبالتالي من الطبيعي أن يعيشوا مع بعضهم البعض.
الكلام حول الطلب العهداوي بدا مستغرَباً خصوصاً أن المعلومات تشير إلى أن اللاعبين يتم التعامل معهم كأبناء النادي، وغالباً ما يشاركون لاعبي العهد بالغداء الجماعي كل أسبوع، وتتم معالجتهم في بعض الأحيان من التعب بعد المباريات عبر جلسات «ثلج» وتليين. «الأخبار» سألت أمين صندوق نادي الراسينغ جورج حنّا عن صحة الموضوع وإذا ما كان هناك تكليف لأحد الأشخاص بالبحث عن مساكن للاعبين. حنّا استغرب الموضوع وأكّد أنه لم يسمع به وهو كان قبل قليل مع اللاعبين في التمرين ولا أحد ذكر له مثل هذا الأمر «الذي يبدو بعيداً كل البعد عن أخلاقيات المسؤولين في العهد، وتحديداً الرئيس تميم سليمان»، يقول حنّا في اتصال مع «الأخبار». لكن أمين الصندوق استمهل بعض الوقت للتأكّد وسؤال لاعبيه. دقائق ويعاود حنا الاتصال مؤكداً أن الموضوع عارٍ من الصحة وهو سأل الحارس هادي خليل الذي نفى أن يكون أي شخص طلب منهم مباشرة أو غير مباشرة مغادرة سكنهم.
إلى هنا انتهت القصة. لكن هذا لا ينفي وجود وضع غير طبيعي في الموضوع. إذ ليس من المألوف وجود لاعبين من نادٍ معين (حتى لو كانوا معارين إليه) يقطنون في ناد آخر حتى لو كان ناديهم الأصلي. فبالنهاية هي أندية تتنافس في مسابقة واحدة، ومن الممكن أن يتم تفسير أي أمر على غير ما هو عليه. من الجيد أن الراسينغ عرقل العهد، لكن لنفترض أن النتيجة كانت مغايرة لصالح العهد ماذا سيكون الكلام حينها؟ صحيح أن القصة انتهت، لكن قصة أخرى بدأت وهي واقع اللاعبين المنتقلين من الأطراف إلى أندية العاصمة أو بالعكس. أين يعيشون؟ كيف يعيشون؟ ما هي الصعوبات التي يواجهونها؟ ما هي تبعات تلك الصعوبات؟

تختلف معاناة اللاعبين الآتين من الجنوب عن أولئك القادمين من الشمال


لا يكاد يخلو نادٍ من لاعبين منتقلين إليه من محافظات أخرى. بعض هؤلاء اللاعبين يتم تأمين سكنٍ لهم وبعضهم يفضّل الاستمرار في العيش في مسكنه الأصلي وتكبّد مشقة الحضور إلى التمرين وقطع مسافات بعيدة يومياً. وفي كلتا الحالتين هناك صعوبات تواجه اللاعبين وتبعات تترتب على خياراتهم سواء سكنوا بعيدين عن منازلهم أو العكس. تتعدد أسماء اللاعبين الذين تتشابه حالاتهم. علي حمام، محمود سبليني، أبو بكر المل، عمر زين الدين، نور منصور، مهدي خليل، محمد حيدر، معتز بالله الجنيدي، عدنان ملحم، وليد اسماعيل وغيرهم من اللاعبين الذين يلعبون مع أندية خارج نطاق سكنهم. أمرٌ تقوم الفرق بإيجاد حلول له عبر استئجار شقق أو غرف في فنادق للاعبين. أما الذين يختارون البقاء في منازلهم فأمامهم ساعات من القيادة يومياً مع ما يترتب على ذلك من إرهاق.
يروي قائد فريق النجمة ولاعب منتخب لبنان علي حمام لـ«الأخبار» معاناته اليومية. هو من اللاعبين الذين فضّلوا البقاء في منازلهم حيث يعيش في بلدة عنقون الجنوبية ويحتاج يومياً إلى القيادة لما يقارب الساعة ونصف الساعة للوصول إلى التمرين ومن ثم العودة. أي إنه يقضي ما يقارب خمس ساعات ونصف الساعة أو ست ساعات ويقطع نحو 110 كلم يومياً لخوض تمرين مدته ساعة ونصف الساعة. حاله كحال زملائه في الفريق محمود سبليني ومهدي الزين ومحمود قعوار ومحمد بشارة. في بعض الأحيان حين تكون الظروف مناسبة يأتون جميعاً بسيارة واحدة، لكن أحياناً حين تتضارب المواعيد من الممكن أن يأتي الزين وقعوار بـ«الفان» ويعودا مع المعالج الفيزيائي في النادي محمد عون.
«غالباً ما أصرّ رئيس النادي أسعد صقال عليّ للسكن في بيروت وتأمين شقة لي من دون كلفة لكني رفضت»، يقول حمام لـ«الأخبار». «يا خيي اللي بعيش بالجنوب صعب يقدر يعيش ببيروت» يضيف حمام ضاحكاً. «لو كنت أريد العيش بعيداً عن بلدتي وعائلتي لكنت بقيت في إيران. هناك كل مقومات الراحة مؤمّنة للاعب. ليس مطلوباً منه سوى التمرين، بعكس لبنان» يقول قائد النجمة بأسف.
يطيل حمام الحديث عن المعاناة اليومية وزحمة السير قبل الوصول إلى التمرين والعودة منه. «مسافة الطريق وتعبها يعادل إرهاق تمرينين. تصل إلى التمرين وأنت بحاجة إلى لراحة قبل التدرب. كل يوم أغادر منزلي الساعة 12.30 وأعود في السادسة مساءً بعد خوض تمريني مع الفريق. ومن يقطنون في صور مشكلتهم أكبر». مسألة أخرى يشدد قائد النجمة على أهميتها وهي التغذية. يروي حمام كيف أن النظام في إيران يشدد على ضرورة الدخول إلى قاعة الطعام وتناول المأكولات المجهزة من قِبل مسؤول التغذية في النادي بعد التمرين مباشرة... «في لبنان تصل إلى منزلك بعد ساعة ونصف من التمرين وبتكون مخوّر من الجوع فتأكل كميات كبيرة ودفعة واحدة وهذا مضر. أنا أتناول وجبتين في اليوم. الإفطار الساعة 10.30 ووجبة الغداء مساءً بعكس إيران حيث كنت أتناول الفطور والغداء قبل التمرين المسائي»، يضيف قائد النجمة. «يحسد» حمام زملاءه الذين يصلون إلى الملعب خلال عشر دقائق على الدراجة النارية. «لو كنت مكانهم لاستطعت خوض تمرينين دفعة واحدة»، يقول لاعب منتخب لبنان مازحاً.
مسألة الطعام والتغذية تعتبر أساسية في حياة أي لاعب. وقد تكون هي النقطة الأصعب للاعبين الذين يقطنون بعيدين عن منازلهم. يشرح لاعب العهد ومنتخب لبنان نور منصور لـ«الأخبار» الأسباب التي تدفع اللاعبين من محافظة الشمال للعيش في بيروت بعكس بعض لاعبي الجنوب. «المشوار من الشمال إلى بيروت مختلف عنه من الجنوب. فهو يحتاج إلى ما بين الساعتين ونصف الساعة والثلاث ساعات في زحمة السير» يشير منصور. وهذا ما يدفع اللاعبين لاختيار العيش في بيروت. ومن هنا تبدأ معاناة من نوعٍ آخر. «إضافة إلى الحنين إلى العائلة والبيت، هناك مشكلة الطعام. معظم اللاعبين يعيشون على السندويشات وأكل المطاعم والوجبات السريعة. وهذا مضرٌّ جداً» يقول لاعب العهد بأسف. «قد يلجأ البعض إلى المطاعم التي تقدم وجبات طبخ، لكن هذا مكلف للاعب يتقاضى القليل كراتب له. وهذا ما يدفعه إلى أكل السندويشات» يضيف منصور لـ«الأخبار».
هي معاناة تضاف إلى مشاكل عدة يعيشها اللاعب اللبناني. من الحاجة المادية، إلى الملاعب الاصطناعية المؤذية، إلى نمط الحياة الصعب. وبعد كل ذلك يأتي البعض لمحاسبتهم على عدم تقديم ما هو مطلوب منهم، في وقت لا يتم تقديم كل ما هم بحاجة إليه. الفارق بين لبنان والدول الأخرى سنوات ضوئية من التطوّر الكروي، لتنطبق مقولة أحد المخضرمين بكرة القدم اللبنانية عن واقع اللعبة «عم نتسلى ونسترزق».