عند كل مباراة لأولمبيك مرسيليا وباريس سان جيرمان في الدوري أو الكأس الفرنسيين، تعود إلى الأذهان قصص كثيرة عن الصراع بين أكبر مدينتين فرنسيّتين. صراع رياضي، أساسه اجتماعي وسياسي. يلتقي الناديان على أرضيّة ملعب الـ«فيلودروم» وأعيُن الفرنسيين ستكون مصوّبة على اللقاء، رغم اختلاف الفوارق اليوم، نتيجة طفرة نادي العاصمة الماديّة، إنما تبقى نكهة الديربي حاضرة، الباريسيون يريدون تأكيد التفوّق، فيما يعتبرها أبناء الجنوب فرصة لكسر «عنجهيّة» الشمال التي يمثلها باريس سان جيرمان.

قصص صغيرة في تاريخ عظيم. هكذا هو نادي مرسيليا، نادي الجنوب الفرنسي. النادي صورة عن المدينة، مدينة اليسار من العمدة غاستون دوفير، وما قبله بكثير، إلى جان لوك ميلانشون، على اختلاف الأزمنة. تاريخيّاً لم يكن باريس سان جيرمان نادياً منافساً. مرسيليا تأسس في عام 1899، بينما تأسس باريس في 1970. التنافس الكروي في فرنسا كان بين ثلاثة أندية هي مارسيليا، بوردو، وسان إتيان، باريس حديثة العهد على كرة القدم. كبار المشجّعين في فرنسا، وأولئك الذين يؤرخون لكرة القدم الفرنسية يتحدثون عن أنّه في سبعينيّات القرن الماضي، وتحديداً بعد سنوات قليلة من تأسيس نادي العاصمة، فإن جماهير أولمبيك مارسيليا هي التي كانت تحضر بكثافة على مدرجات ملعب «بارك دي برينس»، لأنّه في تلك الفترة لم يكن هناك مشجعون لباريس سان جيرمان، وكان أبناء العاصمة يشجّعون نادي مرسيليا. الخلافات جاءت لاحقاً.

أرادت الطبقة السياسية في فرنسا إيجاد منافس لمارسيليا فدعمت سان جيرمان


عاش نادي الجنوب مرسيليا، فترة ذهبية مع رئيسه التاريخي بيرنارد تابيه (1986 ـ 1993). الأخير اشتراكي، معروف بمعارضته الشرسة لليمين. في عهده سيطر مارسيليا على الألقاب المحليّة، حتى أنّه أحرز دوري أبطال أوروبا في عام 1993. لعب في مارسيليا جان بيار بابان، وآلان غيرس والكثير من الأسماء الكبيرة، آخرها ربما ديديه دروغبا. نهاية عهده كانت بعد فضائح كبيرة، ربما كانت مدبرة وربما لا، لكنه خرج من النادي، وبعده تغيّرت صورة كرة القدم في كل فرنسا. في منتصف التسعينيات، أرادت قناة +CANAL الفرنسية استنساخ تجربة الجارة إسبانيا، وفرض «كلاسيكو» فرنسي، أرادته بين باريس سان جيرمان ومارسيليا، والذي ساعد في ذلك هو الاختلافات الكبيرة ثقافيّاً وسياسيّاً بين المدينتين. كما أن القناة الفرنسية بدأت في تلك الفترة شراكة مع باريس سان جيرمان. في عام 2000 حصلت +CANAL على ما تريد، إلّا أن خلافاً كبيراً شهدته الصحافة الفرنسيّة حينها. القناة أرادته «كلاسيكو» مع ما تحمله الكلمة في طياتها من معان اقتصاديّة وتسويقيّة تدرّ الملايين. أما صحيفة L›Équipe فرفضت أن تعطيها تسمية مختلفة عن Classic، هكذا أرادت أن تحافظ على ما تراه هي عادات أو تقاليد خاصة في فرنسا. قيل في إحدى الفترات إن مباراة باريس سان جيرمان ومرسيليا هي خبز ونبيذ الفرنسيين.
هناك وجهة نظر في فرنسا تقول إن الطبقة السياسيّة في فرنسا منذ منتصف التسعينيات وحتى بداية الألفية الجديدة، أرادت خلق طابع مختلف للرياضة في البلاد. كان لا بد من صنع منافس لمارسيليا، وقع الخيار على باريس سان جيرمان، كونه فريق العاصمة، ويمكن خلق جمهور كبير للنادي. وصف البعض طريقة التفكير حينها بـ«الميكيافيليّة»، على اعتبار أن السلطة أرادت إيجاد هذا الواقع لتبرير دعم فئة على حساب أخرى. باتت هذه السلطة تصوّر جماهير نادي الجنوب على أنهم «خارجون على القانون»، ويمارسون الشغب على المدرجات. ظهر في تلك الفترة صراع بين الجماهير والطبقات الحاكمة، التي أرادت استغلال المشجعين لخلق واقع جديد في البلاد. هذا الواقع بني على أن باريس متفوّقة على الآخرين، وخاصة على مرسيليا، أكبر مدينتين في فرنسا. بات الصراع كبيراً بين الجنوب والشمال، وتحديداً جماهير مارسيليا وباريس سان جيرمان مع ما يمثلّه هذا النادي من امتداد لسلطة النفوذ والمال. حتى اليوم هذه الصراعات تبقى موجودة، بل هي تكبر. باريس سان جيرمان يتفوّق مالياً على جميع أندية الدوري الفرنسي، ولكن بنظر جماهير الـ«فيلودروم»، وحتى كل أندية فرنسا، باريس لا يمتلك التاريخ بعد، وهذا التاريخ من وجهة نظرهم أيضاً لا يُبنى بالمال. التاريخ في فرنسا إلى جانب مرسيليا وسانت إيتيان، وبعدهما تأتي باقي الأندية. باريس حديث العهد، حتى أن نجمه في السنوات الماضية السويدي زلاتان إيبراهيموفيتش قالها صراحة: «هل لباريس سان جيرمان تاريخ؟» وذلك في معرض ردّه على سؤال أحد الصحافيين عن أن إيديسون كافاني تخطاه بعدد الأهداف في النادي الباريسي. قصّة مشوّقة عن ناد تلتف حوله المدينة هو مارسيليا. أبناء هذه المدينة دعموه بالمال عندما احتاج الأمر. في الفيلودروم لا فوارق، الجميع يساند الفريق، أغنياء المدينة والفقراء. أمّا في باريس فالوضع مختلف، طفرة النجوم والتسويق الكبير يستقطبان الجماهير إلى الـ«بارك دي برينس» ولكن إلى متى؟ يلتقي الفريقان مساء الأحد، والكفة «فنيّاً» بالطبع تميل لصالح الباريسيين نظراً للأسماء الكبيرة الموجودة في النادي، فيما تبدو أمور مرسيليا جيّدة بعد الفوز أخيراً على نيس في أحد دربيات الجنوب بهدف من دون رد. جماهير مرسيليا ستكون حاضرة في الـ«فيلودروم»، والرغبة حاضرة أيضاً، والمباراة تنتهي على أرض الملعب.

الأحد 28 تشرين الأول 2018، «فيلودروم»، 22:00 بتوقيت بيروت