بالنسبة إلى كثيرين من متابعي كرة القدم اللبنانية لا يمكن إطلاقاً مقارنة تاريخ العهد بالمسيرة المظفّرة التي عرفها الأنصار منذ تأسيسه في عام 1951. هو كلامٌ منطقي إذا ما توقفنا عند لغة الأرقام وسجلّ الألقاب، لكن بنظر الكثيرين العهد يتجه ليكون على شاكلة ذاك الفريق الأخضر الذي أصاب أرقاماً قياسية مختلفة، فارضاً سيطرته على لقب الدوري اللبناني، وتحديداً في تلك الفترة التي حصد فيها 11 لقباً متتالياً بين عامي 1988 و1999. أوجه تشابه كثيرة بين بطل لبنان الحالي والبطل التاريخي للدوري، وهي مسألة تقفز إلى الواجهة قبل لقائهما في المرحلة الخامسة من عمر البطولة، والتي يرى فيه الأنصاريون تحديداً أهمية تفوق مسألة الحصول على النقاط الثلاث وحتى المزاحمة على الصدارة التي لا يريدون الخروج من دائرة الصراع عليها بشكلٍ مبكر من الموسم. بالنسبة إلى الأنصار، مجرد وصول العهد إلى 30 مباراة متتالية في الدوري من دون خسارة (تعود آخر هزيمة له إلى 26 شباط 2017 عندما سقط أمام النبي شيت 1-2)، مسألة حساسة، وخصوصاً بعدما طفا تشبيه الفريق الأصفر بنسخ عدة من نظيره الأخضر في تسعينيات القرن الماضي. في تلك الفترة أنهى الانصار ثلاثة مواسم (1987-1988، 1991-1992 و1992-1993) من دون تذوق طعم الهزيمة، وعرف مسلسلاً نظيفاً طويلاً حيث لم يتلقَّ أي خسارة طوال 57 مباراة متتالية. هذه السلسلة كادت تكون أقصر وتتوقف في موسم 1992-1993، حين سجل تعادلاً وحيداً مع هومنمن 1-1، إذ بعد أن سجل أرمين هدف الافتتاح للأخير، عادل فادي علوش النتيجة، لكن غارو عاد وأعطى التقدّم لهومنمن، فكانت المفاجأة عندما رفع الحكم نبيل عياد رايته وأطلقت نزار وته صافرته معلناً عن تسللٍ غير موجود! استمرت السلسلة حتى سقط الأنصار في إياب الموسم الذي تلاه في مباراة «الدربي» أمام النجمة (1-2)، وبهدفي محمود حمود ويوسف فرحات المعروف بلقب «الكوري».


أوقفوا العهد!
مع استعادة هذا المشهد الأنصاري من الماضي الجميل واستعراضه مع الحاضر الذهبي للعهد، يبرز حديث مشترك لدى الأنصاريين حول ضرورة وقف زحف العهد نحو لقبٍ جديد، وهي مهمة تبدأ من المباراة المسائية التي ستجمعهما غداً على ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية، رغم معرفتهم سلفاً بصعوبة المهمة أمام فريقٍ ازدادت قوته تباعاً، ولو أنه متأثر حالياً بعددٍ من الإصابات التي يمكن أن تكون نقطة تحوّل في مواجهته مع الأنصار. إذاً عنوان الانصار يختصر بكلمتين: «أنا الزعيم»، وهو اللقب الذي يفضّله جمهور الأخضر على أي لقبٍ آخر، بينما يبدو طموح البطل الحالي ومن خلال عمله المستمر منذ مواسم عدة لبناء فريقٍ لا يقهر، هو بلوغ اللقب السابع وتنصيب نفسه كزعيم للعصر الحديث. لكن ما الذي يدفع إلى تشبيه العهد الحالي بالأنصار في الماضي؟ الواقع أن هناك شيئاً من الصحة في هذا التشبيه، إذ إن مجرد النظر إلى تشكيلة العهد يعكس أمراً منطقياً واحداً: الأصفر هو المرشح الأقوى لحصد اللقب كونه يضم أبرز نجوم اللعبة في لبنان.

شكّل لاعبو الأنصار العامود الفقري للمنتخب سابقاً وحلّ العهد اليوم مكانه

وفي هذا الإطار تبرز نقطة تعطي أفضلية شكلية للأنصار، ففي المرة الأخيرة التي سمّى فيها مدرب منتخب لبنان ميودراغ رادولوفيتش تشكيلته لخوض اللقاء الودي مع الكويت كان للفريق الأخضر الحصة الأكبر بوجود سبعة لاعبين منه في المنتخب الوطني. لكن ضمن الإطار عينه، يبدو تأثير لاعبي العهد أساسياً في نتائج منتخبنا، إذ إن حراسة مرمى المنتخب عُهدت إلى حارس العهد مهدي خليل، بينما يبدو أنه لا غنى عن زميله نور منصور في خط الدفاع، أو عن محمد حيدر في خط الوسط إلى جانب هيثم فاعور، إضافةً إلى «الحلّ» شبه الدائم في الخيارات الرديفة هجوماً أي ربيع عطايا. كما يبقي «رادو» عينه دائماً على سمير أياس الذي أعطاه دوراً أساسياً في مرات عدة وينتظر عودته قريباً إلى صفوف المنتخب بعد استعادته حساسية المباريات إثر إصابة غير بسيطة تعرّض لها في الموسم الماضي. هذا المشهد يعيدنا أيضاً إلى الماضي البعيد، حيث قيل دائماً «المنتخب بخير إذا كان الأنصار بخير». ففي الماضي كان هناك الحارس علي فقيه، والمدافع عصام قبيسي (خلفه كيفورك قره بتيان الذي كان من أعمدة المنتخب والأنصار)، والظهير نزيه نحلة (خلفه منير حسين في المنتخب والأنصار في فترة لاحقة)، ولاعبَا الوسط جمال طه وسليم حمزة، إضافة إلى الجناحين عبد الفتاح شهاب ومحمد مسلماني، والهداف فادي علوش. هؤلاء وغيرهم شكّلوا عماد تشكيلة المنتخب واجتمعوا في فريقٍ واحد بدا لا يقهر تماماً كما كان حال العهد في الموسم الماضي.

طه: مهمة العهد أصعب
عن المباراة يقول القائد التاريخي للأنصار جمال طه: «مبدئياً لا نستطيع الكلام عن تشبيه من حيث الأرقام بسبب فوز الأنصار بـ 11 بطولة متتالية، وهو أمر لم يفعله العهد بعد، لكن بلا شك هناك أشياء متقاربة في محاور عدة على غرار نوعية اللاعبين المميزين الذين يتألقون محلياً ويشغلون أدواراً اساسية في المنتخب، إضافةً إلى النتائج التي يحققها العهد حالياً وظهوره بمستوى مميز عن غيره في الموسم الماضي». وفي إجابة عن سؤال حول إمكانية مواصلة البطل الحالي النسج على المنوال عينه ليسير على درب الأنصار، يجيب: «هناك أوجه شبه أيضاً لناحية الثبات في العمل والدقة في الخيارات، وهذه مسألة توصلك عادةً إلى تحقيق الأرقام التي تميّزك عن غيرك من الفرق، لكن يجب أن نتوقف عند مسألة مهمة وهي أن هناك فراقاً بين الماضي والحاضر لأن المنافسة الآن أقوى، بينما لم يجد الأنصار منافسة قوية في محطات عدة بل عرفها نسبياً من الصفاء والنجمة. ويتابع: «أما الآن فيمكن النظر إلى سجل البطولات فنرى أن الألقاب توزعت بين العهد والنجمة والصفاء في الأعوام الأخيرة، بينما سيطر عليها الأنصار بشكل شبه تام في عصره الذهبي». أما إذا ما كان يتوقّع أن ينسخ العهد صورة الأنصار بحكم العمل الذي يقوم به موسماً بعد آخر، يقول طه: «في هذا الإطار كل الأندية تقوم بعملٍ جيد لا العهد فقط، إذ رأينا النجمة والأنصار مثلاً كيف عملا على اختيار لاعبين مميزين وقاما بضمهم إلى صفوفهما خلال الصيف الماضي. السوق مفتوح للجميع وهناك رغبة لأندية المقدمة لمزاحمة العهد ولديها الإمكانات مادية لفعلها، فيبقى ما يميّز العهد هو اهتمامه بالفئات العمرية واستراتيجيته الذكية بحيث يعير لاعبيه إلى أندية أخرى ثم يستعيدهم للاستفادة منهم بعد بلوغهم مرحلة النضوج واكتسابهم خبرة أكبر من خلال الاحتكاك في المباريات». المهم، إذا كان إرساء مقارنة هو لكشف قوة العهد بخياراته الكثيرة حيث لا يتأثر غالباً بغياب أي لاعبٍ عن صفوفه (ولو أن هذا الأمر قد يتغيّر أمام الأنصار من خلال غياب لا يمكن تجاهل تأثيره لقلبي دفاعه نور منصور وخليل خميس وهدافه البلغاري مارتن توشيف)، فإن الأنصار يملك تشكيلة قوية هذا الموسم، لا ينقصها سوى الكيمياء التي عرفها خلال فترته الذهبية والتي يعيشها العهد حالياً، إضافةً إلى استعادة الأنصاريين لثقتهم بأنفسهم بأنه يمكنهم الفوز على أيٍّ كان، وذلك بعد اهتزاز هذه الثقة بفعل سلسلة الخيبات في المواسم الماضية، والتي رافقتها خضات إدارية وفنية. في المقابل، بلغت ثقة لاعبي العهد ذروتها، وربما انعكست أحياناً سلباً عليهم ففرّطوا ببعض النقاط، لكنهم يعرفون إمكاناتهم ويؤمنون بقوة المجموعة التي كانت سرّ نجاحهم في الموسم الماضي بعيداً من الفردية التي لا شك في أنها تقضي على أي فريقٍ مليء بالنجوم.