«كابتن جمال، خلّصنا». هكذا صرخ مشجع صفاوي للمدرب جمال طه خلال مغادرته ملعب أمين عبد النور في بحمدون بعد ظهر الأربعاء وعقب تلقي الصفاء خسارة جديدة وهذه المرة أمام الاخاء الأهلي عاليه بهدفين، في افتتاح المرحلة الخامسة من الدوري. صحيح أن طه لم تربطه يوماً علاقة مع الصفاء، لاعباً أو مدرباً، لكن تلك الصرخة التي وُجّهت إليه تعكس معها حرقة صفاوية، وتمسّكاً بخيط أملٍ وبحثٍ عن منقذ، فرأى مشجعو الصفاء يومذاك في قائد الأنصار السابق غير المرتبط بأي فريق بعد تركه التضامن صور، الخليفة الأنسب للمدرب الروماني تيتا فاليريو الذي «خبّص» على حدّ قول أحد المشجعين الغاضبين وهو يغادر الملعب قائلاً: «لن أعود إلى المدرجات إذا عاد هذا المدرب إلى مقعده في المباراة المقبلة». هو سيكون مواكباً للصفاء في المرحلة السادسة، فما هي إلا ساعات حتى قدّم فاليريو استقالته من منصبه. بقناعة أو على مضض، فإن الروماني اتخذ القرار الصحيح، إذ لا شيء يسير في الاتجاه الصحيح بل إن الامور تسير نحو الأسوأ، فكان جليّاً أنه بعد تحسّن مستوى الفريق ولو بشكلٍ طفيف عقب الخسارة الافتتاحية الكارثية أمام العهد (0-6)، عاد في المباراة أمام الإخاء إلى نقطة الصفر بعدما ظهر غير قادرٍ على تقديم أي شيء يذكر يمكن البناء عليه لما تبقى من مراحل في الموسم. ومع عودة رستم وقيادته أول حصة تدريبية اليوم، يعود الصفاء إلى مرحلة البناء التي بدا أنه لم يطلقها أصلاً مع فاليريو، فانهار كل شيء على رأس الأخير وجنى ما صنعته يداه بحسب القاصي والداني. لكن أين أخطأ فاليريو، وما هي الأسباب التي أدّت إلى فشله؟

الواقع أن من تابع الصفاء يعلم أن مشكلته ليست آنية بل هي سبقت الموسم الجديد، فقبل انطلاق البطولة قررت الإدارة إعادة فاليريو للإشراف على الفريق، وهو الذي قدّم نفسه مدرباً أجنبياً صاحب أفكار جيّدة خلال مروره بالصفاء (قاده إلى لقب كأس لبنان عام 2013)، ثم النجمة (فاز معه بكأس لبنان وكأس النخبة والكأس السوبر عام 2016). لكن ما حصل هو أن فاليريو وقع في فخ عناده، وغرق أكثر بفعل الظروف التي أحيطت به أيضاً وارتبطت بالنادي الذي قرر العودة إليه. في الشق الأول، يمكن تحميل الروماني المسؤولية لحساباته الخاطئة، فهو إذ يعرف قسماً من اللاعبين الموجودين في الفريق، اعتبر أن هؤلاء الذين أشرف عليهم وهم في مطلع مسيرتهم حيث أظهروا موهبة كبيرة، قد نضجوا بشكلٍ أكبر وتطوّر مستواهم أكثر، وبالتالي يمكن بناء الفريق حولهم. ولهذا السبب لم يشغل المدرب رأسه كثيراً للبحث عن خيارات إضافية أو لضمّ أسماء جديدة، فتبيّن له بعد انطلاق الدوري أنه سيخوض الموسم بـ 12 إلى 13 لاعباً، والدليل أنه رغم الأداء السيئ منذ المباراة الأولى لم يتمكن من إحداث تبديلات جذرية أو مؤثرة على تشكيلته الأساسية. وفي الفترة الأولى لوصوله أيضاً، اصطدمت الإدارة الصفاوية بعناد فاليريو الذي طلب فور وصوله الاستغناء عن محمد قاسم ومحمد جعفر ووليد اسماعيل، لا بل إنه هدّد بأنه لن يقبل المهمة في حال بقاء الأخير في النادي، فكان له ما أراد. بعدها توالت الأسماء المطروحة أمامه منتظرةً موافقته للشروع في التفاوض معها، فعُرض عليه ضمّ ثلاثي النجمة: الحارس أحمد تكتوك ولاعب الصفاء السابق أحمد جلول والجناح حسن المحمد مقابل الاستغناء عن عمر الكردي الذي كانت لديه رغبة كبيرة للرحيل، لكن المدرب رفض تماماً هذه الفكرة. كما رفض فكرة التعاقد مع خالد تكه جي ومحمد الفاعور وأكرم مغربي وعمر زين الدين، حتى وصلت اللائحة إلى 13 لاعباً بحسب مصدر صفاوي رسمي. عناد فاليريو عطّل كل شيء هنا، وهو حتى اعتكف وغاب عن التمارين يوم ضمّ الصفاء اللاعب الشاب علي طحان، ليُجبر بعدها على الاستغناء عنه لإرضاء المدرب وعدم خسارته.
مصدرٌ آخر مقرّب من المدرب الروماني يعترف بتجرّد بمسؤولية الأخير في ما حصل، لكنه يتوقف عند أمرين: الأول هو الأجواء التي عمل خلالها الروماني حين وصوله إلى الصفاء، حيث لمس عدم رضى لدى اللاعبين بعد خروج مدير الفريق يوسف بعلبكي من النادي، وهي مسألة حسّاسة عرف القيّمون أهميتها لاحقاً، والدليل كان إعادة بعلبكي إلى منصبه قبل أيام. وقد يبدو هذا الكلام بعيداً عن المشكلة الفنية، لكن أهمية وجود مدير للفريق يمكنه تذليل العقبات مع اللاعبين هي مسألة أساسية في كرة القدم اللبنانية، إذ اضطر فاليريو إلى مواجهة هذا الواقع في محطات عدة، على غرار ما حصل في حالة الكردي الذي كان مصرّاً على الرحيل إلى الأنصار، وبدت عليه الرغبة في عدم مواصلة مشواره مع الفريق حتى تمّ إغراؤه بمبلغ مالي (علمت «الأخبار» أنه وصل إلى 15 ألف دولار) لضمان بقائه لموسم إضافي. وفي موازاة هذه الأجواء السلبية، طلب فاليريو التعاقد مع واحدٍ من أربعة مدافعين: ثلاثة منهم كان شبه مستحيل ضم أحدهم، وهم نور منصور، حسين الدرّ، وجاد نور الدين الذي كان أفضل لاعبي الفريق في الموسم الماضي عندما لعب معه معاراً من شباب الساحل قبل أن ينتقل إلى بيراك الماليزي المتمسّك به. أما المدافع الرابع فكان «ابن النادي» علي السعدي الذي كان الخيار الأسهل كونه لم يجد له مكاناً مع العهد. وفي الإطار الدفاعي، أخطأ فاليريو عندما فضّل التعاقد مع مدافع منتخب النيجر عبدولاي بوريما كاتاكوريه الذي لا يعرف عنه شيئاً سوى أنه لاعب دولي، بدلاً من السنغالي مامادو سيلا الذي قدّم أداءً مقبولاً مع الشباب العربي في الموسم الماضي رغم هبوط الفريق إلى الدرجة الثانية. وعند الشباب العربي ومسألة الأجانب يمكن التوقف أيضاً.

اشترط فاليريو رحيل لاعبين مهمين لتسلّم دفّة تدريب الصفاء

ففي هذه النقطة، أشار مصدر مقرّب من فاليريو إلى أن النادي أخطأ بحق المدرب عندما حمل إليه مجموعة لاعبين لم يتمكنوا من إنقاذ فريقٍ من الهبوط في الموسم الماضي، فتغيّرت فقط ألوان قمصانهم وانتقل الأداء السيئ إلى الصفاء. وعند هذه النقطة يردّ مصدرٌ صفاوي موضحاً بأن ضمّ لاعبين سابقين من الشباب العربي تمّ للحفاظ على تواقيعهم، لكن تُرك للمدرب حرية إبقاء أو الاستغناء عن أيٍّ منهم. أما في شقّ التعاقدات وتحديداً الأجنبية، فبعدما طلب فاليريو ضمّ المغترب حسين غملوش إلى فريقه، جدّدت الإدارة للمهاجم الكاميروني إرنست أنانغ بطلبٍ من المدرب، فكلّفها تقريباً ضعف ما حصل عليه في موسمه الأول مع الفريق (حيث سجّل 7 أهداف). والإدارة نفسها أنقذت فريقها من عدم خوض مرحلة الذهاب بلاعبَين أجنبيين، فعملت على إصدار تأشيرة دخول للكاميروني الآخر ستانلي إيشابي ليخوض موسمه الثاني مع الفريق والخامس في الدوري، وذلك بسبب عدم اقتناع فاليريو بأي لاعبٍ أجنبي عُرض عليه في خط الوسط.
كل هذا انعكس أداء ضعيفاً على أرض الملعب لم يعرفه الصفاء منذ منتصف التسعينيات حيث كان مهدداً بالهبوط إلى دوري «المظاليم». أداءٌ ضعيف ترافق مع عدم تنظيم على أرض الملعب وغياب الرغبة عند اللاعبين وظهورهم من دون روح أو أفكارٍ، فجاءت الهزائم واحدة تلو الأخرى واستقر الفريق في المركز الأخير، ما استدعى التغيير. وهنا كان وصول رستم الذي قاد الفريق إلى لقب الدوري قبل ثلاثة مواسم، وهو يعرف غالبية اللاعبين الذين سبق له الإشراف عليهم. لذا كان المدرب الوطني الخيار الأول والأخير، خصوصاً أن لاعبي الصفاء يحتاجون اليوم إلى من يعيد إليهم الروح والحماسة لخوض المباريات بكل الإمكانات، وإلى مدربٍ يخلق الانضباط ويذلل المشاكل التي عصفت بالفريق، وما أكثرها حتى الآن.