كانت أفضل مباريات طرابلس هذا الموسم، لكنها لم تكن أفضل مباريات العهد. هذه العبارة تلخّص كل شيء حدث على ملعب المدينة الرياضية بعد ظهر أمس، في المباراة الافتتاحية للمرحلة السادسة من الدوري اللبناني لكرة القدم.

قبل هذا اللقاء، توقّع الكل «على الورق» لقاءً سهلاً للعهد أمام فريقٍ لم ينجح أي من لاعبيه في تدوين اسمه على سجلّ الهدافين حتى الآن. هذه النقطة بقيت نفسها، لكن أداء طرابلس تغيّر لسببين: أولاً لدخوله منظّماً ومنضبطاً بعكس مبارياته الخمس السابقة، وثانياً بسبب العهد الذي جعله يظهر بصورةٍ أفضل، من دون الانتقاص طبعاً من كل ما قدّمه الفريق الشمالي.
ببساطة، العهد صعّبها على نفسه في هذه المباراة، وبالتأكيد ليس عمداً، فمن اعتبر أن الفريق لن يتأثر بالإصابات التي طاولت صفوفه كان مخطئاً الى حدٍّ كبير. وهذه المسألة بدت واضحة في جوانب عدة، وتحديداً في الشوط الأول الذي بدأه العهد بضغطٍ كبير من دون أن ينجح أكرم مغربي من التسجيل في مناسبتين، وأحمد زريق القريب جداً من المرمى بكرةٍ رأسية.
في هذا الشوط، سجّل طرابلس فرصاً بقدر تلك التي خلقها العهد، والسبب أنه وجد المساحة للانطلاق في المرتدات أو إمرار الكرة الى الخط الأمامي، وفي مشكلة خلقتها التركيبة الهجومية قبل الدفاعية، فعدم ارتداد الرباعي: مغربي، زريق، ربيع عطايا ومحمد حيدر لمساعدة ثنائي الارتكاز: حسين منذر والغاني عيسى يعقوبو خلق مشكلة حقيقية ومساحة واضحة في منتصف الميدان، تمكن طرابلس من بناء هجماته والانطلاق منها.

يعاني العهد من مشكلة واضحة في إيجاد التوازن بين خطَّي الهجوم والدفاع


وفي خضم هذه المشكلة، أُجبر منذر ويعقوبو على تغطية مساحة كبيرة كشفت خلفهما مساحةً أخرى أمام رباعي خط الظهر، استغلها الطرابلسيون بذكاء من خلال انتقال احمد دياب من دون كرة خلف ثنائي الوسط، ومن إحدى الكرات كاد أن يفتتح التسجيل بتسديدة قوية. وهذه المشكلة تعيدنا الى الحديث عن مشكلة الإصابات، إذ صحيح أن منذر قدّم مباراة ممتازة أمام الأنصار في المرحلة الماضية، وأداءً مقبولاً في مباراة أمس، لكن في هذا اللقاء بالتحديد احتاج العهد الى لاعبٍ بشخصية هيثم فاعور (الذي يلعب في قلب الدفاع لغياب نور منصور المصاب) في الوسط يمكنه تنظيم الحالة الدفاعية وخلق التوازن على هذا الصعيد لناحية الرباعي الهجومي وعبر الطلب منه مساعدة ثنائي المحور بدلاً من الارتجال في الواجب الدفاعي على غرار ما فعل مغربي، ما أرهقه بدنياً بشكلٍ مبكر من المباراة.
صافرة أعلنت عن ركلة جزاء وخطأ دفاعي قاتل من السنغالي مامادو سيلا كانا الفاصل بين الفريقين ومنحا حيدر هدفين، ليكون قد سجل كل أهداف العهد في آخر مباراتين. وعند حيدر يمكن التوقف أيضاً، فالرقم 10 المميز مصرّ على خلق ثنائية مع عطايا، الذي لا يبدو على نفس الموجة معه وبحاجةٍ الى استعادة لياقته البدنية كاملة ليكون قادراً على أخذ المبادرات الفردية كما فعل مراراً وبشكلٍ مبالغٍ فيه احياناً خلال المباراة. وثنائية حيدر ــــ عطايا، قلّصت من دور زريق على ارض الملعب، فلم يتسلم الكثير من الكرات وهو في وضعية مؤثرة، لكنه رغم ذلك يمكن القول انه كان خلف حسم اللقاء بحصوله على ركلة الجزاء وإمراره الكرة الحاسمة التي جاء منها الهدف الثاني.
إذاً، هل التركيبة الهجومية العهداوية مشكلة للفريق؟ هو احتمال وارد رغم ضيق الخيارات أمام المدرب باسم مرمر الذي عدّل في استراتيجيته بذكاء عندما أقحم سمير أياس على حساب مغربي، فهو أوّلاً قام بحماية مهاجمه الوحيد في التشكيلة حالياً، وثانياً زاد من الكثافة في خط الوسط للاستحواذ بشكلٍ أكبر، وأشرك لاعباً صاحب نزعة هجومية الى جانب لاعبَين بفكرٍ دفاعي، فكان أن بدأ أياس الهجمة التي جاء منها الهدف الثاني، وتحكّم بطل لبنان بعدها بمجريات المباراة من دون أي ضغطٍ.
هي مباراة سينظر إليها خصوم العهد بكل جديّة واهتمام، فالفريق الذي لا يُقهر أو «القادم من كوكبٍ آخر» بالنسبة الى البعض منهم لديه نقاط ضعفٍ أيضاً، بينما سيراجعها الفريق الأصفر بكل تركيز للعمل على سدّ ثُغره ومعالجة مشاكله وتنظيم خطوطه من جديد وإيجاد التوازن بينها وبين أدوار نجومه الكثر على أرض الملعب. أما طرابلس فيمكنه بالتأكيد البناء على ما قدّمه طوال الدقائق التسعين ليهرب من شبح الهبوط الذي لا يزال يطارده ببقائه في المركز ما قبل الأخير.