كشفت تسريبات «فوتبول ليكس» التي نشرتها الجمعة مجموعة من وسائل الإعلام الأوروبية، أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (ويفا) ساعد ناديي باريس سان جرمان الفرنسي ومانشستر سيتي الإنكليزي للتستر على خرق قواعد اللعب المالي النظيف. وبينما يسأل كثير من المتابعين دائماً عن غياب الرقابة، وإفلات فرق كباريس سان جرمان تصرف أموالاً هائلة من العقاب، جاءت التسريبات لتفضح تورط الاتحاد الأوروبي لكرة القدم في المسألة.

وبحسب «در شبيغل» الألمانية وموقع «ميديا بارت» الإلكتروني الفرنسي، اعتمد سان جرمان المملوك من شركة قطر للاستثمارات الرياضية، وسيتي المملوك من الشيخ الإماراتي منصور بن زايد آل نهيان، على سلسلة من العقود المبالغ بقيمتها، لإظهار أنهما يحققان مداخيل قادرة على تغطية الإنفاق الكبير الذي يقدمان عليه. وتنص قواعد اللعب المالي النظيف التي وضعها الاتحاد الأوروبي، على عدم إنفاق أي ناد أكثر مما يجني خلال موسم واحد، وعدم تجاوز عجزه المالي سقف 30 مليون يورو خلال فترة ثلاثة أعوام. وتراوح العقوبات في حال الخرق من الغرامة المالية إلى الإبعاد عن المسابقات القارية.
وفي تقاريرها، أشارت مجموعة وسائل الإعلام الأوروبية إلى أن الرئيس السابق للاتحاد الأوروبي ميشال بلاتيني وأمينه العام جاني إنفانتينو ــ الرئيس الحالي للاتحاد الدولي «فيفا» ــ كانا ضالعين في عملية التستر على مخالفات مالية، معتبرة أن ذلك حصل «لأسباب سياسية». وبحسب «فوتبول ليكس»، قام المالكون القطريون والإماراتيون بضخ «نحو 4,5 مليار يورو (5,1 مليار دولار) في الأعوام السبعة الماضية (...) لزيادة ميزانية الناديين»، معتبرة أن ذلك تم بشكل غير قانوني. وهو بطبيعة الحال، أفسد كرة القدم، وأخل بالتوازن في اللعبة، لمصلحة الفريقين المذكورين في البطولتين اللتين يشاركان فيها. وحسب التسريبات، ضخ المالكون الإماراتيون في نادي سيتي نحو 2,7 مليار يورو، ينسب جزء كبير منها إلى عقود رعاية «مضخمة» عن قيمتها الحقيقية. وفيما تملك شركة قطر للاستثمارات الرياضية باريس سان جرمان منذ 2011، بينما استحوذ الشيخ منصور على سيتي عام 2008، غرم الناديان بـ60 مليون يورو من قبل الاتحاد في أيار/مايو 2014 على خلفية مخالفة قواعد اللعب المالي النظيف، إلا أن الهيئة القارية أبلغت الناديين أنهما سيستعيدان مبلغ 40 مليوناً في حال «التزما ببنود التسوية».

عنوان البريد الإلكتروني لساركوزي مدرج في رسالة إنفانتينو للمبارك


ولم تقتصر التسريبات بحق رئيس «فيفا» صاحب الابتسامة العريضة دائماً على فترة عمله في الاتحاد الأوروبي، بل طالت أيضاً المهام التي يتولاها منذ مطلع 2016 على رأس الاتحاد الدولي. تحدثت وسائل الإعلام عن «صداقة مريبة» تجمع بين السويسري ــ الإيطالي، ومدعٍ عام سويسري هو رينالدو أرنولد. وأظهرت التسريبات أن إنفانتينو منح أرنولد، المدعي العام لمنطقة هو ــ فاليه، «دعوات» لحضور مباراة منتخب بلاده وكوستاريكا ضمن نهائيات كأس العالم 2018 في روسيا، واجتماع الجمعية العمومية للفيفا في المكسيك في أيار/مايو 2016، ونهائي دوري أبطال أوروبا في ميلانو في العام نفسه. إلى ذلك، بعث أرنولد في أيار/مايو 2016 برسالة عبر البريد الإلكتروني لإنفانتينو جاء فيها «شكراً جزيلاً على بطاقات نهائي دوري أبطال أوروبا. نجلي الأصغر سيذهب مع زوجتي». ورداً على سؤال من مجموعة وسائل الإعلام الأوروبية التي نشرت الوثائق، رد الفيفا بالقول إن أنظمته «تسمح للرئيس والأمين العام بدعوة عدد محدد من الضيوف إلى البطولات ونشاطات الفيفا». لكن مجموعة وسائل الإعلام أشارت إلى أن أرنولد كان «يزود إنفانتينو بتفاصيل عن بعض التحقيقات التي يجريها القضاء في مسائل متعلقة بكرة القدم». أحدثت التسريبات صدمة كبيرة، لكن تداعيتها ليست محددة بعد، إذ كانت دفعة سابقة من «فوتبول ليكس» تعود إلى عام 2016، قد ألقت الضوء على آليات التهرب الضريبي لعدد من الأسماء في عالم اللعبة، ومنهم البرتغالي كريستيانو رونالدو لاعب يوفنتوس الإيطالي حالياً وريال مدريد الإسباني سابقاً. آنذاك، اضطر رونالدو للتوصل إلى اتفاق مع السلطات الإسبانية يدفع بموجبه 16,7 مليون يورو كتسوية لمخالفات ضريبية. فما الذي سيفعله انفانتينو؟ وهل هناك المزيد عن «رجل الصفقات المشبوهة» دائماً، نيكولا ساركوزي؟

انفانتينو للمبارك:
يمكن أن تثق بي أيضاً

التسريبات تبدو موثوقة، إذ تحدثت عن رسائل إلكترونية بين إنفانتينو عندما كان أميناً عاما لليوفا، مع رئيس مجلس إدارة مانشستر سيتي خلدون المبارك، للتوصل إلى اتفاق تسوية لمخالفة النادي قواعد اللعب المالي، علماً أن في هذا تخطياً لدور لجنة الرقابة المالية على الأندية الأوروبية المعنية بمسائل من هذا النوع. وبحسب صحيفة «ليكيب» الفرنسية، كان عنوان البريد الالكتروني للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مدرجاً في الرسالة التي بعث بها إنفانتينو للمبارك، ويعرض فيها تسوية تقضي بدفع 20 مليون يورو بدلاً من 60. أما موقع «ميديا بارت» فأكمل النصف «الهام» من الرسالة، حيث كتب إنفانتينو في رسالته للمبارك «شكراً على ثقتك. تعرف أنه يمكنك أن تثق بي أيضاً».

عقود سان جرمان «الوهمية»
215 مليون يورو سنوياً

وفي أول رد فعل على التسريبات، رأى مانشستر سيتي أن الأمر «محاولة للنيل من سمعته». وبالنسبة إلى سان جرمان، فتلك حكاية أخرى. فهو في الأصل يخضع لتحقيق من قبل الاتحاد الأوروبي، على خلفية مخالفته لقواعد اللعب المالي، لا سيما بعدما أبرم في صيف 2017 تعاقدين كبيرين بضم البرازيلي نيمار من برشلونة الإسباني مقابل 222 مليون يورو، وكيليان مبابي من موناكو الفرنسي في صفقة قدرت بنحو 180 مليوناً، حيث «طفح الكيل»، ولم يعد التستر متاحاً. هكذا، أعلن الاتحاد القاري في أيلول/سبتمبر الماضي أنه طلب تحقيقاً إضافياً بشأن مخالفة النادي الباريسي للقواعد المالية، وذلك بعدما أكد في حزيران/يونيو «أنه لن يفرض عقوبات في الوقت الراهن على النادي، وأن الأخير لم يخالف القواعد في الأعوام 2015، 2016 و2017». وفقاً لـ«فوتبول ليكس»، اعتمد النادي الفرنسي على عقود رعاية مبالغ بها مع العديد من الشركات والهيئات المرتبطة بقطر، مثل بنك قطر الوطني والهيئة العامة للسياحة في الإمارة الخليجية. وبلغت قيمة العقد الموقع مع هيئة السياحة 1,075 مليار يورو على خمسة أعوام، أي 215 مليون يورو سنوياً. إلا أن مجموعة وسائل الإعلام الأوروبية أشارت إلى أن «شركتي تدقيق مستقلتين عيّنهما الاتحاد الأوروبي (ريبوكوم وأوكتاغون) قيّمتا العقد بأقل من ذلك بأضعاف». اعتبرت إحداهما أن القيمة الفعلية للعقد لا تتجاوز 123 ألف يورو سنوياً، فيما قدرته الأخرى بـ2,8 مليون يورو.



رد «فيفا»
دافع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عن رئيسه جاني إنفانتينو في مواجهة تسريبات «فوتبول ليكس» التي طالته باتهامات عدة، ملحماً إلى ضلوع متضررين من «التغييرات» التي طبقها السويسري الإيطالي الساعي بعد أشهر للفوز بولاية جديدة فيها. وفي بيان مطول صدر عقب التسريبات، أوضح الفيفا أنه تلقى قبل أربعة أسابيع «مئات الأسئلة من قبل مجموعة من الصحافيين، تستند إلى رسائل إلكترونية خاصة وداخلية، ومعلومات أخرى حصل عليها طرف ثالث على نحو غير قانوني». وأوضح الاتحاد أنه وعلى رغم قيامه «بالرد على الأسئلة الموجهة إلينا بطريقة مباشرة وصريحة، إلا أن بعض وسائل الإعلام قرر تجاهل غالبية إجاباتنا وتحوير الوقائع والحقيقة في محاولة جلية للنيل من صدقية الفيفا»، معتبراً أن ثمة محاولة للنيل من «القيادة الجديدة» في «فيفا»، خصوصاً «الرئيس جاني إنفانتينو والأمينة العامة فاطمة سامورا».