لم تزر زينة عطالله، الصبية العشرينية التي تقطن في إحدى القرى الجنوبية، العاصمة بيروت منذ ولادتها. لا صورة في ذهنها عن شكل الشوارع والأبنية، إلا القليل مما شاهدته عبر التلفزيون. على طول الطريق إلى جامعتها في بيروت، تزدحم اللوحات الإعلانية المروِّجة للحدث الرياضيّ الأضخم في 11 تشرين الثاني: «ماراثون في بيروت»، تحت شعار: «بيروت بيكبر قلبها فينا». تسأل صديقتها: «كيف فينا نشارك؟». تشعر أنّ لها شيئاً ما في المدينة، ذلك رغم أن الهواء نظيف جنوباً والمساحات الخضراء متاحة للعموم. تدخل إلى الموقع الإلكتروني المسجل أدنى اللوحة لأخذ التفاصيل، وسرعان ما تتفاجأ أنّ رياضة الركض المتاحة لها «ببلاش» بين الوديان، تحتاج لبدلٍ ماديٍّ ليس بقليل قرب «الكورنيش»!

كما في كل عام يطالعنا موقع جمعية «بيروت ماراثون» الإلكتروني بعدّادٍ تنازليٍّ للساعات المتبقية للتسجيل في الماراثون. اللون الأحمر والتصميم الجذّاب يلفت انتباه المواطنين سريعاً. المسؤولون عن الموقع يخاطبون عواطف النّاس الذين يحبّون مدينتهم: «لا تفوّتوا فرصة المشاركة في الحدث ذي المواصفات العالمية». تتكرر «العالمية» على لسان المنظمين. تلتصق بكلّ جملة. وربما، من موجبات العالمية فرض رسم اشتراكٍ على كلّ مشاركٍ في الماراثون مهما بلغ عمره، على اعتبار أنّه الباب الأول للإيرادات. يختلف الرسم مع اختلاف نوع السباق، إذ تتراوح التكلفة بين 20 دولاراً أميركياً و200 دولار أميركي. أغلب المواطنين والعدّائين اللبنانيين والأجانب يشاركون في سباق 42.195 كم والذي يبلغ رسم اشتراكه 66 دولاراً أميركياً، بعدما كان العام الماضي 40 دولاراً أميركياً. وبحسب المستشار الإعلامي للجمعية حسان محي الدين فمن المتوقع أن تصل المشاركة هذا العام إلى 50 ألف شخص من بينهم 4000 مشارك من الخارج، غير أنّ الجمعية تعفي نحو 30% من المشاركين من المدارس الرسمية والجمعيات الخيرية وذوي الاحتياجات الخاصة وفئات الأسلاك العسكرية والكشافة من هذا الرسم. بعملية حسابية بسيطة، فإنّ الجمعية تجمع مبلغ 2 مليون و310 دولارات أميركيّة من رسوم التسجيل فقط، عدا الدعم من الجهات الراعية للحدث وعلى رأسها المصرف الداعم.

لا تقل تكلفة تنظيم الماراثون عن مليون و300 ألف دولار أميركي


لا يرى محي الدين أنّ رسم الاشتراك «يحتاج لكل هذا الانتقاد في كلّ عام، فنحن نعلم أنّ أي تظاهرة رياضية أو ثقافية أو سياسية لا يشارك فيها كلّ شرائح المجتمع». يحاول التبرير فيقع في فخّ التصنيف: «بعض الفئات ليس بمقدورها أن تكون في هذه التظاهرات». يحاول مجدّداً تلميع الصورة بالإشارة إلى أنّ «بعض الفئات المهمشة التي لا تستطيع المشاركة، كعكار مثلاً، تعمل رئيسة الجمعية مي الخليل، وبحكم علاقاتها الشخصيّة، على الاتصال بالبلديات لتغطية مشاركتهم ونفقات نقلهم من مناطقهم إلى بيروت». يفشل مرةً أخرى في الخلط بين العلاقات الخاصّة والحدث الرياضيّ الذي يفترض أنّه مصلحة عامة. ولا تقل تكلفة تنظيم الماراثون عن مليون و300 ألف دولار أميركي، وفق محي الدين، وهي تتضمن الحملات الدعائية والتسويقية للحدث، إلى جانب المتطلبات التجهيزية على الأرض من منصاتٍ حديدية وقواطع للطرقات وغيرها من المسلتزمات. إلّا أنّ الشراكة بين المصرف الداعم وجمعية «بيروت ماراثون» تقتضي بالدرجة الأولى «رعاية الحدث الرياضي وترويجه وتسويقه». التناقض بين كلام المنظّمين والرعاة يبدو واضحاً. لكن إذا سلّمنا جدلاً أنّ التكلفة تُدفع من جيب الجمعية لا من قِبل الرعاة، يضاف إليها مبلغ 282 ألف دولار أميركي قيمة الجوائز الموزّعة خلال الماراثون، فذلك يعني أنّ الجمعية تنفق ما لا يقل عن مليون و582 ألف دولار أميركي. وفي عملية حسابية بسيطةٍ أيضاً، نستنتج أنّ نفقات الجمعية «التنظيمية» يمكن تغطيتها، إلى الآن، بشكلٍ كامل من إيرادات رسوم الاشتراك فقط، لا بل يزيد في خزائنها نحو 782 ألف دولار أميركي. هذا كله «مشروط» بمشاركة «الشرائح» التي يمكنها المشاركة.
في أية حال، لا تحتاج هذه الأرقام إلى أكثر من ورقةٍ وقلمٍ وآلةٍ حسابيةٍ بدائية لتبدو واضحةً أمام المعنيين، إلّا أنّ محي الدين يصرّ على التأكيد المستمر بأنّ «مالية الجمعية لا تزال غير متوازنة بين النفقات والإيرادات منذ عام 2003 إلى اليوم»، وأنّ «زوج الخليل، وهو رجل أعمالٍ في أفريقيا، يدفع من جيبه لتغطية العجز». ودعنا من الأبعاد الذكورية للموضوع، فدفاع التصريح الإعلامي عن «النفقات»، يجعل الأمر كما لو أننا نتحدث عن «بزنس مان»، يعمل في أفريقيا، ويموّل مشاريع زوجته الخيرية. وهي مشاريع للمناسبة تستهدف «شرائح» معينة، أو بلغة علمية: طبقات معينة. وهذه الطبقات تبقى هي المستفيدة من الركض والاحتفال، رغم أن وزارة الشباب والرياضة تقدّم دعماً «رمزياً» بدورها، بقيمة 40 مليون ليرة لبنانية إضافة إلى دعم أكبر من مجلس بيروت البلدي ومن مصرف كبير. ويرتبط اسم جمعية «بيروت ماراثون» ببنك لبنان والمهجر باعتباره الراعي الرسميّ الأول للحدث منذ عام 2003، إلى جانب مصرف لبنان الذي رعى الماراثون بين عامي 2013 و2015. العقد الموقع بينهما لمدّة ثلاث سنوات ينتهي هذا العام، وتجري محادثات لتجديده لمدّة خمس سنوات. باللغة الأجنبية التي يروج عبرها للحدث، يحمل الماراثون اسم المصرف. ما هي قيمة الدعم المقدّم من بنك لبنان والمهجر للجمعية؟ يصعب على رئيس مجلس الإدارة سعد أزهري الإفصاح عن حجم الدعم المالي المقدم للجمعية لتغطية نفقات الماراثون: «البنك يدعم الماراثون بأكثر ما يمكن دعمه ضمن نشاطاته في المسؤولية الاجتماعية وهي النشاطات الريادية بين البنوك».
هواء نظيف بـ66 دولاراً
تستنفر أجهزة الدولة ومؤسساتها الرسمية قواها في كل عام لنجاح اليوم الرياضيّ. الكل سيعمل نهار الأحد بدون استثناء: القوى الأمنية والعسكرية والدفاع المدني ورئيس البلدية والمحافظ وصولاً إلى رئيس الحكومة. تغطية متكاملة للماراثون «الأول» في لبنان. هو أصلاً الماراثون الرسمي الأوحد، فكيف يكون الأول؟ 16 عاماً ولا تزال جمعية «بيروت ماراثون» تنظّم السباق سنويّاً من دون منافسين. السؤال عن آلية التنظيم يطرح نفسه: لماذا جمعية «بيروت ماراثون»؟ وكيف تتم آلية التلزيم؟ لا جواب واضح لدى منظمي الحدث. الجواب وحده في جيب محافظ بيروت زياد شبيب الذي يولي اهتماماً خاصّاً بالماراثون على اعتباره من «أهم النشاطات في بيروت والتي تأخذ صدًى عالمياً». يقول شبيب إن «لا حصرية بيد أحد لتنظيم الماراثون، لكنّ الجمعية بادرت لطرح الفكرة وأثبتت على مدار الأعوام أنّها تستحق الدعم»، ويضيف: «ببساطة لم يتقدم إلى الآن أحد غيرها باقتراحٍ جديد لتنظيم الماراثون». لكن كيف يمكن لغيرها التقدم باقتراحٍ جديد في الوقت الذي أنشئت الجمعية أساساً على اسم السباق؟ ربما سنصير أمام معضلة. ولكن، حتى الآن، لم يتقدم أحد بطلب. ويشرف شبيب شخصيّاً على تدابير السّير المتبعة خلال هذا النهار وعلى تجهيزات الحماية على الأرض، فالقواعد والشروط العالمية لدى الاتحاد الدولي تقضي بإقفال شوارع العاصمة كلّها إلى حين مرور آخر العدّائين، مع ترك منافذ خاصّة للمستشفيات ودور العبادة. ما يعني أنّ كل مواطن لا يرغب في الاشتراك بالسباق سيبقى محتجزاً في منزله خلال يوم عطلته الأسبوعية. يبدو الأمر عادياً بالنّسبة لمحي الدين، فإنّ «أهم مدن العالم تقفل شوارعها خلال الماراثون». وعلينا هنا، أن نوافقه قليلاً: يوفر هذا مساعدة الدولة العاجزة عن توفيرها. مساعدة بيئية للعاصمة وهواء نظيف في مقابل الازدحام اليومي. البيئة النظيفة تحجز موعداً لها لبضع ساعاتٍ في لبنان. لكن تكلفتها 66 دولاراً أميركياً في الساعة «عالراس»، والحسابة بتحسب!



اطلب الماراثون ولو في الصين
وقعت جمعية «بيروت ماراثون» 10 اتفاقيات مع لجانٍ منظمةٍ للماراثونات في الخارج، بهدف تبادل الخبرات مع الدول التي تنظم ماراثونات منذ زمنٍ طويل مثل ماراثون الصين وبلغراد وبوستن، إلى جانب تعزيز أرقام المشاركة في كلا البلدين. كما تنص هذه الاتفاقيات على الالتزام بالنقل المباشر لأربع ساعاتٍ كحدٍّ أدنى لفعاليات الماراثون عبر القناة الراعية للحدث. وكانت الجمعية قد حصلت على الترتيب الفضي لتنظيم الماراثون عام 2015، بعدما حصلت على الترتيب البرونزي عام 2010، وتعمل اليوم للوصل إلى الترتيب الذهبي. وحسب المستشار الإعلامي للجمعية حسان محي الدين، فإن المردود المالي من الماراثون الذي يستفيد منه لبنان، حسب قوله، هو 13 مليون دولار.


الركض لعروبة فلسطين
عند الواجهة البحرية لبيروت، تجتمع دعاء عبد الساتر يومياً مع رفاقها لإتمام تدربياتهم قبل موعد الماراثون. يشرف المدرّب وليد قباني على تمارينهم، ضمن برنامج الدعم الذي يقدّمه المصرف الراعي للسنة الثانية توالياً لتدريب 542 عدّاء، لفترة خمسة أشهرٍ، لتمكينهم من المشاركة في سباق الـ42 كلم. تعتبر عبد الساتر أنّ «الماراثون حدثٌ مفصليٌّ للعدائين لاختبار مدى جديّة التمارين خلال العام وهو تحدٍّ للذات وللقدرات الجسدية، بمعزلٍ عن تكلفة الاشتراك الباهظة»، منوّهةً بجمعية «بيروت ماراثون».عبدالساتر تعطي الرياضة أبعادها الثقافية والرسالية. فهي وللسنة الثالثة تحمل شعار فلسطين خلال السباق، للتأكيد أنّ «فلسطين المحتلة عربية ولن نتخلى عنها».


ضدّ المشاكل النفسية
يركض علي جمول فوق أرصفة بيروت بنشاط بعد أشهرٍ من التدريب المتواصل. على عكس الأيام الأولى، لم تعد أصوات شهيقه وزفيره تسمع من بعيد. كان ذلك قبل تخفيفه من التدخين اليومي المفرط وشرب الكحول. قرار اتخذه جمول لتحسين صحته، رافقه تشجيع من أصدقائه بالانضمام إلى مجموعتهم المشارِكة في الماراثون. ينتمي جمول إلى مدينة بيروت بكافة تفاصيلها بالرغم من انتقاله للعيش في الريف أخيراً. الأمر الذي ساهم في ازدياد ثقته بالماراثون.
يشارك جمول للمرة الأولى في سباقٍ رسميّ، ساعياً مع مجموعته لمساعدة إحدى الجمعيات التي تعنى بعلاج الأشخاص الذين يعانون من «مشاكل نفسية».