لا تكمن الصعوبة في الوصول إلى القمة، وإنما في الحفاظ عليها بعد الوصول. بعد أشهرٍ قليلة من تحقيق المنتخب الكرواتي إنجازه الأهم في تاريخه، يعاني وصيف كأس عالم روسيا الأمرّين في بطولة دوري الأمم الأوروبية، بعد أن فشل من الفوز في اختباريه الأولين أمام كلّ من إنكلترا وإسبانيا. بالرغبة والحافز لتكرار إنجاز كأس عالم 1998، رفع المنتخب الكرواتي راية التحدي في المونديال الأخير، فارضاً نفسه حصاناً أسود وصل للعقبة الأخيرة، قبل أن تطبق عليه فرنسا في المباراة النهائية. نسخةٌ رائعةٌ قدمها المنتخب الرائع في روسيا. أداءٌ رائع وروح قتالية عالية جعلت جماهير الكرة تتعاطف مع أبناء زلاتكو داليتش. بخطى ثابتة، شق المنتخب الكرواتي طريقه إلى النهائي ليحصل على مركز الوصافة في نهاية الأمر. جيلٌ ذهبي ضمّ كلّاً من لوكا مودريتش ــ أفضل لاعب في العالم أخيراً ــ ماريو ماندزوكيتش مارسيلو بروزوفيتش وغيرهم من الأسماء اللامعة التي تألقت في روسيا.

لم تفقد كرواتيا أسماءها اليوم، إنما فقدت وزنها بين كبار المنتخبات. بتعادلٍ سلبي أمام إنكلترا وخسارة ثقيلة أمام إسبانيا بسداسية نظيفة، كثرت التساؤلات عما يحدث في المنتخب المكافح، في محاولة لمعرفة أين كرواتيا روسيا من كرواتيا اليوم.
في المقابل، شهد المنتخبان الإنكليزي والإسباني تطوراً كبيراً في الآونة الأخيرة. تمكن المدرب الشاب غاريث ساوثغايت من البناء على المركز الرابع في المونديال الأخير لينقل التألق إلى بطولة دوري الأمم، فيما ظهرت بصمة إنريكي على المنتخب الإسباني لينسي الأنصار خيبة المونديال سريعاً. المسألة ضبابية في معضلة كرواتيا. المنتخب الذي يعاني من انحدارٍ كبير في المستوى. بنتائجه المخيبة أخيراً، يظهر على لاعبي المنتخب الكرواتي فقدانهم للحافز، وشعورهم باستهلاك كافة ما لديهم في مونديال روسيا. أمرٌ شكل العنصر الأبرز في تراجع المنتخب الكرواتي. المجهودات التي استنفدها اللاعبون في العرس الكروي الأسمى، والرغبة لرفع اسم الفريق على الصعيد القاري، لا توجد في دوري الأمم الأوروبية، البطولة التي تتفاوت أهميتها بحسب أهداف كل منتخب. منذ نهاية المونديال، ظهر تراجع مستوى نجوم المنتخب مقارنةً بأدائهم في كأس العالم الأخير. يشكل الإرهاق عنصراً رئيسياً في تراجع المنتخب، حيث لم يحظ اللاعبون بالراحة الكافية بعد 8 أسابيع من نهاية المونديال، خصوصاً بعد ذهاب المنتخب للأشواط الإضافية ثلاث مرات خلال أدوار كأس العالم. ربما وقع المنتخب الكرواتي بالفخ الذي وقعت فيه ألمانيا سابقاً، بعد أن أبعد «المجد» منتخب المانشافت عن الواقعية إثر شعوره بعدم إمكانية تنحيه عن عرشه أبداً.
بعيداً عن الجانب المعنوي المتعلق بأسباب «السقوط الحر»، يعاني المنتخب الكرواتي فنياً في ظل اعتزال بعض لاعبيه وإصابة غيرهم. عقمٌ تهديفي واضح ظهر في المنتخب إثر اعتزال مهاجمه الهداف ماريو ماندزوكيتش، حيث فشل المنتخب في تسجيل أي هدف حتى الآن في دوري الأمم. إضافةً لذلك ظهرت الهشاشة الدفاعية في مباراة إسبانيا في ظل إصابة المدافع ديجان لوفرين واعتزال الحارس المخضرم دانييل سوباسيتش.
في ظل المستوى المنخفض للمنتخب أخيراً، تخوض كرواتيا تحدّياً صعباً أمام إسبانيا اليوم، في محاولةٍ لرد الاعتبار من جديد.
تحمل المباراة أهدافاً فرعية على الرغم من توحد الهدف الرئيسي لكل من الفريقين، حيث ستسعى كرواتيا للفوز بغية إنعاش آمالها في التأهل وإعادة وزنها بين الكبار من جديد لإثبات أن إنجاز روسيا لم يكن محض صدفة، فيما سيحاول المدرب لويس إنريكي تخطّي خيبة إنكلترا والفوز في المباراة للتأهل إلى نهائيات الصيف المقبل.