يكاد لا يمرّ يومٌ لا تصادف فيه تاجراً أو صاحب مهنة أو حتى مدير مصرف من دون أن تسمع منه امتعاضاً حول الوضع العام الذي تعيشه البلاد. هذا يحكي عن قدرة شرائية متدنية، وذاك يشكي غياب الزبائن في سوق العرض والطلب، والآخر ينعى الليرة اللبنانية ورؤوس الأموال والاستثمارات. وتتقاطع مع هذا «النق» دعوات إعلامية يومية منها مباشر ومنها مبطّن لحثّ الشعب على النزول إلى الشارع وإطلاق ثورة تجاه الظلم الذي يعانيه، وتجاه الوضع الاقتصادي - المالي الصعب الذي أرهقه ويهدد مستقبل أبنائه... لكن لا حياة لمن تنادي!

شبّان لبنان يتحمّسون حالياً لأمورٍ أخرى، بعيدة بمكان عن مستنقعات السياسة ورجالها، ولو أن بعضهم لا يزال مستعداً للنزول إلى الشارع كرمى لهذا الزعيم أو ذاك أو تعصّباً للحزب الذي ينتمي أو يميل إليه.
هي صورة كانت حاضرة جزئياً في التظاهرة التي دعا إليها جمهور نادي الحكمة وكان مركزها الأشرفية حيث تجمهر المئات، لكن ليس بالعدد المتوقّع مقارنةً بالعدد الكبير للمشجعين الذين يحبّون «الأخضر» على كامل المساحة الجغرافية للبنان. المهم أن بصمات قواتية واضحة كانت حاضرة من خلال بعض أعلام حزب القوات اللبنانية التي رفعتها قلّة من الوافدين، وذلك وسط حضور النائب عن دائرة بيروت الأولى عماد واكيم، الذي لطالما تابع وحمل ملف الحكمة منذ تحوّل النادي البيروتي إلى «صندوقٍ انتخابي» تتصارع عليه الأحزاب المسيحية. كما برز حضور أعضاء من مكتب القوات في الأشرفية، وبدا واضحاً أن كوادر الحزب المذكور هي من تقوم بعملية تنظيم التظاهرة، وقد نجحت في إخراجها من دون أي مشكلات تذكر.

يُجمع قسمٌ لا بأس به من جمهور الأنصار بأن التظاهرة أساءت إلى النادي أكثر مما أفادته


المهم أن القوات التي تعمل على مشروع الحكمة التقت مع الجمهور الذي يريد إنقاذ ناديه المفلس والمهدد بالانهيار التام بعد أن انهار فنياً في كرة القدم وكرة السلة. والجمهور اختار نوعاً جديداً من التعبير عن اعتراضه، وهو التظاهر، في سابقة لم تعرفها الرياضة اللبنانيّة بهذا الشكل، لكنها تعكس أمراً واحداً وهو الارتباط الكبير بين الجمهور وناديه، بحيث يعتبر المشجعون ناديهم المفضل بمثابة الأكل والشرب والنوم وكل العادات اليومية التي لا يمكنهم العيش من دونها.
هي فعلاً مسألة لافتة ومجبولة بالشغف الذي عرفناه رياضياً في بلدان أميركا الجنوبية تحديداً، حيث تشعر أن الجماهير هي جزء لا يتجزأ من الأندية. ففي تلك البلدان اللاتينية البعيدة يبدو أي مشجع على أتمّ الاستعداد للموت من أجل ناديه، ومخالفة القانون من أجله، ويمكن سؤال مشجعي ريفر بلايت وبوكا جونيورز الأرجنتينيين عن هذا الأمر...
هناك يبدو المشجعون أيضاً مستعدون لدفع جزءٍ من أموالهم لإنقاذ أنديتهم أو المساعدة في نهضتها، ولو أن بعضهم يعيش حالة مادية عادية جداً، لكنها لا تمنعهم من ترك أشغالهم للسفر ومرافقة فرقهم المفضلة، لا بل إن بعضهم يدخّر الأموال للحرص على حضور كل المباريات من دون أن يحسب أي حساب لأي مشروعٍ مستقبلي أو تحسينٍ في وضعه المعيشي. وفي إطار هذا الشغف، يبرز تيار آخر، يأخذ الأمور إلى منحى بعيدٍ عن نصرة ناديه بالطريقة المثلى بل إن حبّه لفريقه يأخذه إلى مكانٍ بعيدٍ من الهتافات الرياضية، فيكون الشارع المساحة التي تؤمّن له الفضاء اللازم لإطلاق شعاراته وخطاباته.


هي تماماً حالة «الأخضر» الآخر في الرياضة اللبنانية أي نادي الأنصار، الذي نزل إلى الشارع اعتراضاً على ما اعتبره ظلماً تحكيمياً بحقّه عقب مباراته الأخيرة أمام طرابلس في الدوري اللبناني لكرة القدم. اعتصام قيل إنه رمزي تحوّل إلى تظاهرة احتشد لها قسم من جمهور الأنصار أمام مبنى الاتحاد اللبناني للعبة في فردان بحضور رئيس النادي نبيل بدر وأمين السر عباس حسن. عنوان هذه التظاهرة كان طلب رفع الظلم عن الأنصار، لكن مكان التظاهر يعكس مسألة خطيرة وهي اتهام النادي البيروتي العريق للاتحاد بالتآمر عليه، وهو أمر لحظه بيان الأنصار الاثنين الماضي، كما لحظ ذكر اسم غريمه النجمة، ما أشعل الشارع الأنصاري هتافاً مسيئاً ضد رئيس الاتحاد «النجماوي» على حدّ اعتبار الأنصاريين، وضد رئيس النجمة أسعد صقال لأسبابٍ غير معروفة!
ومن خلال التظاهرتين يُطرح سؤال مشترك: هل الشارع هو الحلّ؟
الجواب هو قطعاً لا، فالتظاهرة الحكماوية كان هدفها الأول والأخير استقالة أعضاء اللجنة الإدارية، وهو أمر حصل قبل تلك الأمسية التي نزل فيها جمهور الحكمة إلى ساحة ساسين. أمّا نتيجة التظاهرة فكانت لا شيء، إذ إن أي دعمٍ مالي لم يصل، فالحلّ الكامل والشامل يحتاج إلى وقتٍ طويل لا يقل عن شهرٍ من الزمن، أي ما بين فتح باب الترشيح لانتخاب إدارة جديدة وبين إجراء الانتخابات وتسوية الأوضاع المالية، إذ لا يبدو أي طرفٍ على استعداد لوضع المبالغ المطلوبة وبدء عمليّة تذويب الديون قبل ظهور صورة واضحة للمشهد الحكماوي المقبل.
أمّا لناحية التظاهرة الأنصارية، فيُجمع قسمٌ لا بأس به من جمهور الأنصار بأنها أساءت إلى النادي أكثر مما أفادته، وذلك في ظل خروج البعض عن السيطرة وانجرافهم خلف الشتائم التي طاولت رئيس الاتحاد ورئيس نادٍ منافس، وهو أمر لم تكن تريده أصلاً الجهة التي دعت إلى التظاهر أو حتى القيّمين على نادي الأنصار، الذين وجدوا أنفسهم أمام قرارات إتحادية صارمة.
إذاً في بلدٍ ديموقراطي حيث يحقّ لأيٍّ كان التظاهر باتت التظاهرات الرياضية هي الظاهرة والموضة الجديدة، لكن يبقى ألا تنتقل الصورة البشعة التي تنقلها بعض المدرجات إلى الشارع حيث كانت المناداة دائماً بالروح الرياضية في عزّ الأزمات السياسة وتظاهرات الأضداد. وطبعاً يبقى ألا يسقط جمهور الرياضة في فخ الحسابات البعيدة كل البعد من الأجواء الرياضيّة ليستقر في قبضة مستغلي الملاعب لتحقيق المكاسب.