يوم وصل المدرب المونتينغري ميودراغ رادولوفيتش للإشراف على منتخب لبنان لكرة القدم، خلفاً للإيطالي جوسيبي جيانيني، كان على علمٍ مسبق بوجود أزمة مهاجمين في كرة القدم اللبنانيّة. أسماء عدّة وضعت أمامه على الطاولة وقتذاك، وأسماء كثيرة راقبها في الدوري المحلي من دون أن يقتنع بها، فقرر إعطاء الفرصة للاعبين مغتربين مثل هلال الحلوة وحسن «سوني» سعد وعمر شعبان «بوغيل»، والبحث عن آخرين مثل المكسيكي المولد خيرونيمو أميوني.

سئل «رادو» مراراً عن استدعاء لاعبٍ مثل الحلوة الذي لم يسجل أكثر من 3 أهداف دوليّة في 17 مباراة مع منتخب «الأرز»، وسئل عن عدم إعطائه الفرصة للاعبين مثل عدنان ملحم وأحمد حجازي، فكان واضحاً بأنه يبحث عن خصائص معيّنة في اللاعب المهاجم لا يملكها اللاعبون الناشطون في بطولة الدوري، وذلك لأسبابٍ تقنية ترتبط بنشأتهم بالدرجة الأولى.
ومن هذه النقطة يمكن الانطلاق، إذ إنّ قلّة من المهاجمين المحليين لديهم الإمكانات الهجوميّة لصناعة الفارق في المباريات الدوليّة، وهو أمر لمسه رادولوفيتش منذ أوّل تجمّع للمنتخب وفي التمارين التي تلت ذلك، خلال الفترة الأولى لوصوله إلى لبنان. هو أعطى أحياناً مثالاً عمّا يحكي عنه، فيذكر اسم مهاجم شباب الساحل محمود كجك الذي كان يلعب للأنصار سابقاً، فهذا اللاعب رأى فيه المدرب المونتينغري خامةً هجوميّة، لكنه لمس نقصاً كبيراً في إمكاناته الذهنيّة والفنيّة على أرض الملعب، فموهبته يصفها بالفطريّة، والتي لم يتم تنميتها بالشكل الصحيح.
وهذه النقطة تعيد الموضوع إلى المربّع الأوّل، أي للحديث عن العمل الذي يقوم به مدربو فرق الفئات العمرية، بحيث يُجمِع عدد من المدربين الأجانب في الدرجة الأولى بأن المهاجم المحلي يعتمد على نفسه في التعلّم والتطوّر من دون أن يتلقّى أي مساعدة، إذ ليس هناك من يلقّنه أسس التمركز أو التحرك من دون كرة، أو كيفيّة العمل لوصول الكرة إليه واستغلال المساحات والمشاركة في اللعب، وهي من البديهيّات في عالم كرة القدم.
هي فعلاً مسألة أساسيّة، ولو تمّ تلقينها للمهاجمين اللبنانيين لكانوا من أفضل الهدافين في المنطقة العربيّة لا في لبنان فقط. ولهذا السبب كان واضحاً أنّ المدربين الأجانب الذين تعاقبوا على تدريب منتخب لبنان، حاولوا أحياناً الاستعانة بأكثر لاعبٍ يملك موهبة فطرية لشغل دور الهداف، وذلك لأنّه بإمكانه صناعة الفارق أكثر من غيره داخل منطقة الجزاء، والمثال الأبرز على هذه المقولة عندما اعتمد المدرّب الألماني ثيو بوكير على (الجناح) حسن شعيتو في مركز المهاجم في إحدى المباريات أمام تايلاند في بيروت، فكان أن سجل «موني» هدفين من خلال مهاراته الفردية المميّزة.
هي نقطة تنبّه لها العديد من المدربين المحليين في فتراتٍ سابقة، فقال جمال طه في إحدى المرات، أنّه لو امتلك جناح الإخاء الأهلي عاليه الحالي خالد تكه جي في فريقه، لكان قد اعتمد عليه في مركز رأس الحربة، مؤكداً إمكانية نجاحه في هذا الدور بالنظر إلى مهاراته الفرديّة التي تمنحه الأفضلية في المساحات الضيّقة وتحديداً في منطقة الجزاء.

لا يبدو أن لقب الهداف سيفلت من اللاعبين الأجانب هذا الموسم


لكن مدربين آخرين لمسوا أن المشكلة أكبر بكثير وسط ضيق الخيارات المحليّة على هذا الصعيد، فكان إميل رستم جريئاً عند تسلّمه مهمة تدريب الأنصار لفترة قصيرة، عشية انطلاق الموسم الماضي حيث قرر اللعب بمهاجمَين أجنبيَين هما السنغاليان تالا نداي الذي لم يطُل مشواره مع «الأخضر» بعدها، والحاج مالك تال الذي عاد وتوّج هدافاً للدوري بـ15 هدفاً.
وتتويج «ملك» منطقة الجزاء بلقب الهداف، لم يكن إلا استمراراً لسيطرة أجنبية على لائحة الهدافين، أقّله في الأعوام العشرة الأخيرة وسط خرقٍ متقطّع للاعبين اللبنانيين ومنهم ينشطون في خط الوسط لا في مركز رأس الحربة. فعملياً بدأت الأزمة عقب نهاية سيطرة المهاجمين النجماويين على «الحذاء الذهبي»، الذي كان قد ذهب إلى محمد قصاص في موسم 2003-2004 (22 سجل هدفاً) ثم في الموسم الذي تلاه (21 هدفاً)، ليخلفه بعدها علي ناصر الدين (17 هدفاً)، ثم زميله محمد غدار لموسمين متتاليين (25 و22 هدفاً توالياً).
وبعد هذه الفترة أصبح العراقي صالح سدير هدافاً للدوري (سجل للعهد 27 هدفاً في موسم 2008-2009)، تلاه مهاجم النجمة السنغالي ماكيتي ديوب (23 هدفاً)، لتعود الأسماء اللبنانيّة مع حسن معتوق ومحمد حيدر وعماد غدار وعدنان ملحم الذي شارك زميله في الراسينغ العاجي لاسينا سورو صدارة الهدافين في موسم 2013-2014 (سجل كلٌّ منهما 15 هدفاً)، قبل أن يبسط الأرجنتيني لوكاس غالان سيطرته على لقب الهدّاف لموسمين متتاليين (17 هدفاً مع السلام زغرتا و19 هدفاً مع الأنصار)، ويقف أبو بكر المل بأهدافه الـ 16 بينه وبين الحاج مالك الذي يتصدّر اللائحة حالياً.
وعند هذه اللائحة يمكن التوقف، إذ لا يبدو أن اللقب سيفلت من اللاعبين الأجانب مع انطلاق الصراع المبكر بين الحاج مالك ومهاجم العهد البلغاري مارتن توشيف، ومواكبة أجانب آخرين مثل زميل الأول في الأنصار التونسي حسام اللواتي، ومهاجم النجمة البرازيلي فيليبي فيديليس دوس سانتوس.
والأرقام تتحدّث عن نفسها في هذا الإطار، إذ سجّل 16 أجنبياً 47 هدفاً من أصل الأهداف الـ 120 التي سُجّلت في المراحل التسع من عمر الدوري، بينما سجّل اللاعبون اللبنانيون 73 هدفاً.
إذاً مسألة المنافسة الأجنبية الصرفة على لقب الهداف هي منطقية، إذ إن الفرق الـ 12 تعتمد على رأس حربة أجنبي، ما عدا السلام زغرتا أحياناً في حال عدم غياب عدنان ملحم حيث يتحوّل هداف الفريق الشمالي الموريتاني أمادو نياس إلى مركز الجناح، إضافةً إلى العهد الذي يشرك أكرم مغربي بغياب توشيف، علماً أن أكثر من رأيٍ فني يشير إلى أن مغربي هو اللاعب اللبناني الوحيد الذي يتمتع بصورة المهاجم الحديث، وذلك من حيث نضجه في التصرّف على أرض الملعب بعيداً من مسألة التهديف، إذ يساعد المجموعة بشكلٍ كبير في حالاتٍ عدة، فيدافع أحياناً ويخلق الخيارات للاعبي الوسط في أحيانٍ أخرى، وتحديداً عندما يظهر بذكاء على خط التمرير عندما يكون أي لاعبٍ مستحوذ تحت الضغط. لكن المؤسف أن المنتخب لا يستطيع الاستفادة من مغربي الموقوف اتحادياً عن اللعب الدولي، وهي مسألة تزيد من مشكلات المنتخب الذي يعدّ هدافه الأول حالياً لاعباً للوسط أي حسن معتوق (ثاني هدافي المنتخب التاريخيين بالتساوي مع وارطان غازاريان بـ 19 هدفاً)، ليتكرر المشهد السابق الذي يعكس هذه المشكلة المزمنة بحيث أن الهداف التاريخي لمنتخب لبنان هو لاعب وسط أيضاً أي رضا عنتر صاحب الـ 20 هدفاً.
مشكلة لا يبدو أن حلّها قريب، إذ لا وجود للهدافين في الدرجة الأولى ولا حتى في الدرجة الثانية التي يسيطر اللاعبون الأجانب على لائحة أبرز الهدافين فيها أيضاً، فأيام فادي علوش ومحمود حمود وهيثم زين (توّجوا بلقب الهداف سابقاً)، لا يبدو أنها ستعود في وقتٍ قريبٍ جداً.