«كان يوماً ممطراً عندما رأيتك... كنت ترتدين الزي الرسمي المخطط». هكذا تبدأ جملة من نشيد فريق بشيكتاش التُركي. تعبّر هذه الجملة عن مدى الشغف والحَماس والعاطِفة التي يكنّها مشجعو هذا الفريق التركي الشهير، لفريقِهم. لا يُمكن أن يتم إنكار الشغف الذي يتمتع به مشجعو الفرق التركيّة الأخرى الأكثر شهرة أيضاً، على غرار كلّ من غالاتاسراي وفنربخشة. يمكن للمتابعين أن يشاهدوا إحدى مباريات فريق غالاتاسراي في معقله «الجحيم» أو كما هو معروف بـ«the hell»، والتركيز فقط على الجمهور، لا على المباراة. يصبح الملعب اسماً على مسمّى، يتحوّل ملعب كرة القدم إلى جحيم حقيقي، فترى من على المدرجات، الكثير من الأشياء المشتعلة، مشتعلة بالمعنى «الحرفي» للكلمة. يكاد الدخان يحجب على المشجعين رؤية المباراة. صحيح بأن هذه المظاهِر تعتبر مظاهر «تخريبيّة»، وغير منظّمة، ولكنها تعكس صُورة الجماهير، الذين يودّون أن يوصلوا هذه الصورة بنَفسهم، إلى العالم. كل ذلك تجده عند الفريق الآخر من مدينة اسطنبول، فريق فنربخشة، إلّا أن ما لا تجده في هذين الفريقين، موجود لدى بشكتاش، في «وسط المدينة»، في «السوق» الـ«بشكتاشي» المعروف بـ«carsi».

لدى كل فريق من فرق إسطنبول صورة نمطيّة يعرفها الجميع عنها، فغالاتاسراي هو الفريق الأقدم، ولدى فنربخشة أكبر ميزانيّة وأكبر قاعدة جماهيريّة، والتي تستفيد بطبيعة الحال، من موالاة الرئيس رجب طيب أردوغان. نصل إلى بشيكتاش، والذي يُعرف بفريق «الطبقة العاملة»، أو فريق «البروليتاريا»، والمعروف بحماسة واندفاع جماهيره. يصف صانع الأفلام والمخرج التركي زيكي ديميركوبوز بشيكتاش بأنه «أكثر فريق سريالي في العالم، فنربخشة وغالاتاسراي، لا يهتمان إلّا بالفوز، بشيكتاش مختلف، فريق غير عقلاني، بل هو فريق إنساني غرائزي، يتميّز الفريق بالحب والشوق والحب المجنون- الحب من دون مقابل، هذا هو بشيكتاش». كلمات المخرج التركي، وابن مدينة أسبارطة، والذي يعيش بينهم وبين الفرق التركيّة، يعكس شيئاً غريباً عن بشيكتاش، نراه في قليل من الفرق الأوروبيّة الأخرى (على سبيل المثال، نابولي وملعبه المميز السان باولو). في أيام المباريات، تصبح الشوارع القريبة من ملعب «فودافون بارك» الخاص بنادي بشكتاش مزدحمة إلى أقصى الحدود، فيمكن رؤية الجميع، يرتدي اللونين الأسود والأبيض.

يمثل بشيكتاش الطبقة العاملة في تركيا (أرشيف)

ولا غرابة في حال شاهد الشخص رجالاً كباراً في السن، يبيعون الأعلام الخاصة بالنادي، وطبعاً لا يخلو الأمر من بعض القذائف والشماريخ الملونّة، وبعض المفرقعات التي لا ينفك الجمهور عن إضاءتها خلال المباراة. ينتشر مشجعو بشيكتاش في أحياء الطبقات العاملة، الأحياء التي تعج بمحلّات الحلاقة المتواضعة، والحدائق الصغيرة، إضافةً إلى بعض منافذ القمار. العكس تماماً يمكن أن يوجد عند مشجعي غالاتاسراي وفنربخشة، الذين ينتشرون غالباً في المدينة، وفي وسط المدينة، حيث لا تغيب عن هذه المنطقة الفنادق والمطاعم الفاخرة التي تقدّم أشهى الوجبات السريعة، ومحلات الأزياء. تقول الباحثة التركيّة إيليف باتومان من موقع «the new Yorker» بأن أغلب ما شاهدته من صور على الهواتف المحمولة للشعب التركي، الموالي لبشيكتاش وللقاطنين في منطقة «carsi»، هي إمّا صور للنسر الشهير على شعار النادي التركي، أو صور لشي غيفارا. ما يمكن أن يؤخذ من هذه الصور، هو العلاقة الوطيدة بين «البشيكتاشيين» والـ«ثورة»، و«غيفارا»، من الأيقونات التي لا توجد في أماكن أخرى، في وسط المدينة على سبيل المثال.
في المدرجات الخاصة بنادي بشيكتاش، أو خلال المباريات التي يخوضها هذا الفريق، تكتظّ المدرجات بالجماهير. يقول أحد هؤلاء الجماهير، «اللاعبون يلعبون المباراة فقط، نحن نعيش المباراة». قام عالم الاجتماع أحمد تاليمسيلر، وهو مؤلف كتاب عن «التعصب التركي» وعلاقة الجماهير بفرقهم، بإحصاء سأل فيه 500 من المشجعين الأتراك، عن مدى أهميّة فريقهم بالنسبة لهم، وجاءت النتائج على الشكل التالي: 62% من المشجعين أجابوا بأن الفريق يأتي بعد العائلة، 28% من المشجعين فضّلوا فريقهم «عن أي شيء آخر من الحياة». إحصائيّات «مخيفة» ومفاجئة في الوقت عينه، وهي أن يفضّل ما يقارب الـ30% من هذه العينة فريقهم عن أي شيء في حياتهم، هذا يعني بأن الفريق هو الحياة التي يعيشون لأجلها، الفريق هو الأم والأب، الفريق هو الوطن.
يصف المخرج التركي زيكي ديميركوبوز نادي بشيكتاش بالفريق «الإنساني الغرائزي»


أول شيء يتحدّث عنه أي شخص حول ألن ماركاريان، يقول إنه أرمني. هكذا كان العنوان الرئيسي في مجلة سياسيّة أُطلق عليها اسم «بشيكتاش». من هو ألن ماركاريان؟ يعتبر ألن الواجهة الإعلامية للنادي، وهو أحد أبرز المشجعين لنادي بشيكتاش. في بشيكتاش، تجد المكان الوحيد الذي لوحظ فيه شيء من «حل» للمشكلة الأرمنيّة - التركيّة. ألن يحب رفاقه الأتراك ومشجعي بشيكتاش المقربين منه، والعكس صحيح أيضاً. في بشيكتاش، لا وجود للحساسيّات الأرمنيّة التركيّة، بل إن ألن يشعر بأنه العنصر المهم في هذا النادي التركي. ذكر أحد المشجعين لإيليف بوتمان، أن خلال المباراة، كانت هناك بعض الهتافات مخصّصة فقط لألن، «ألن هو البابا، ألن المجيد، ألن! ألن!... بشيكتاش!». هتافات تعبّر عن مدى تميّز العلاقة بين هذا المشجع الأرمني والمشجعين الأتراك الآخرين. ليس من الصدفة أن يكون في تشكيلة الفريق التركي بشيكتاش، لاعبين اثنين من تشيلي، واثنين من البرتغال، وآخر صربي وكرواتي (دول تعتبَر فقيرة مقارنة بربطات عنق الدول الأوروبيّة الغربيّة)، وغيرها من الجنسيات التي وجدت من بشيكتاش مكاناً مريحاً لها.
فريق بشيكتاش، هو الفريق الذي من الممكن أن يضم الكثير من المتابعين المحبين للعبة كرة القدم، والذين يحبّون هذا الفريق. التشجيع يأتي بالفطرة، وليس بالعقل في «فودافون آرينا». ومن كان لا يعلم عن ماهيّة الـ«underground» لهذا الفريق، سوف يشعر بشيء من الحنين تجاه منطقة «carsi»، التي تمثل الفريق، الذي يعتبر الأصغر من ناحية الميزانية بين الثلاثة الكبار.