بحكم قانون «1+50» السائد في الدوري الألماني، يحاط سوق الانتقالات المحلي بعدة شروط تحدّ من ارتفاع سقف أسعار اللاعبين القادمين من الخارج، إذ يقف هذا القانون عقبةً أمام الصرف الـ«غير منطقي» للحفاظ على هيكلة أجور اللاعبين وأسعار البطاقات. في ظلّ الطفرة التي يعيشها سوق انتقالات الدوريات الأوروبيّة عامّة، توجهت الأندية الألمانية للبحث عن «منجمٍ» جديد يدرّ عليها المواهب الكروية بأسعارٍ تتواءم مع سياساتها الاقتصادية، فوجدت في أميركا خير وجهةٍ للحفاظ على الثقافة الكروية الألمانية، دون حصول عجز في ميزان الأندية. الألمان دائماً ما يجدون الحلول.

كلنت ديمبسي

تاريخياً، لم تقدّم أميركا الكثير المواهب للعالم، مقارنة بما قدمه غيرها من القارات، إذ ظهر جلياً افتقار الولايات المتحدة إلى ثقافة كرة القدم، الموجودة في أوروبا وأميركا اللاتينية، غير أنها نجحت أخيراً في إبراز جيلٍ ذهبي من اللاعبين الشباب الذي تمكّن من الاحتراف خارج حدود القارة. يكثر وجود اللاعبين الأميركيين اليوم في الدوري الألماني. مواهب شابّة ككريستيان بوليزيتش (بروسيا دورتموند)، ألفونسو ديفيس (بايرن ميونيخ)، هاجي رايت (شالكه) وغيرهم، هاجروا من الشمال الأميركي ليسطع نجمهم في مختلف الأندية الألمانية. مع اتّساع قاعدة شعبيّة اللعبة وزيادة المبالغ المالية، بفعل حقوق البثّ، كان من الضروري تعزيز الفرق ورفع مستوى التنافسية لتتوافق مع تطلّعات المشاهدين. ظهر جلياً التأثير السلبي لعائدات النقل في إنكلترا، حيث ساهم الضخّ المبالَغ فيه، في عائدات النقل إلى ارتفاعٍ مهولٍ في أسعار الصفقات والأجور. وبفعل الطلب الزائد على اللاعبين والمضاربة بين العديد من الأندية، اختلّ ميزان الصفقات في أوروبا، لتعجز الأندية عن الحصول على موهبة جيدة دون دفع الكثير من الأموال. مع اتّجاه سوق الانتقالات في أوروبا نحو مرحلةٍ جديدة، صَعُبَ على الفرق الألمانية تنفيذ سياساتها التي اعتادت عليها، حيث وقف التضخم المهول في أسعار الصفقات عائقاً أمام ميزانيات الأندية. مع الشكل الجديد للسوق، لم يعد التمحور حول شراء لاعبين شباب وتطويرهم حلّاً وارداً، لأن اللاعبين الشباب ازدادوا تكلفةً أيضاً، إذ باتت كلفة استقطاب مواهب شابة «عادية» تفوق الثلاثين مليون يورو، دون إغفال عامل المخاطرة جرّاء نجاح لاعبٍ ناشئ من عدمه. الأسعار باتت مرتفعة جداً، كذلك المخاطرة كبيرة.
فاقت القيمة التسويقية لتشيتشاريتو ما قدمه لاعبون أمثال مايكل بالاك وزي روبرتو


إذا ما استثنينا كيليان مبابي، لم يشهد العقد الأخير بروز موهبة كروية «خارقة» تبيح فتح خزائن كبار الأندية لاستقطابها. رغم ذلك، تشهد أسواق الانتقالات أسعاراً خيالية لم تشهدها الملاعب الأوروبية منذ نشأة الكرة. مع إغفال عامل المضاربة بين الأندية على استقطاب المواهب، كان لوكلاء اللاعبين أثر بارز فيما آلت إليه الأسعار أخيراً، إذ وقف وجود «تجّار المتعة» عائقاً أمام حصول الأندية على لاعبين موهوبين بأسعارٍ ممكنة.
لطالما شكّلت بلدان كالبرازيل والأرجنتين حلّاً ثانوياً لارتفاع الأسعار في سوق الانتقالات، حيث توجد المواهب فيها بأسعارٍ معقولة، غير أن التوجّه بكثرة إلى هذه البلاد أدّى إلى زيادة أسعار اللاعبين، ناهيك عن عدم ضمان تأقلم اللاعبين في دورياتهم الأوروبيّة الجديدة. بعد ارتفاع أسعار اللاعبين في الأسواق التقليدية في أوروبا وأميركا الجنوبية، حوّلت ألمانيا نظرها إلى سوقٍ جديد، سوقٍ يجلب التوازن بين فعالية الأداء واتزان الميزانية.

ألفونسو ديفييس

يفتقر اللاعبون الأميركيون إلى المهارة. باستثناء كلينت ديمبسي، ولاندون دونوفان وكريستيان بوليزيتش، لم تُظهر الكرة الأميركية مواهب قادرة على خوض غمار الدوريات التي تتطلّب مهارة فردية عالية، كما الحال في الدوري الإسباني والإنكليزي مثلاً. في ألمانيا، الأمر مختلف. عادة ما يُنظر إلى لاعبي كرة القدم الأميركية الشباب على أنهم رياضيّون ذوو عقلية ناضجة، وهم يعرفون كيف يفوزون، وهذا ما تطلبه أندية البوندسليغا للنجاح في الدرجة الأولى، حيث تعمل ألمانيا على استقطاب مواهب أميركية شابة لتطبيعها مع ثقافتها الكروية، وتؤمّن لها المعرفة التكتيكية المطلوبة للنجاح على أعلى مستوى. ومع نجاح التجربة، اتجهت العديد من الأندية الألمانية لصيد المواهب من أميركا الشمالية، حيث تتصف هذه المواهب بالفاعلية وعدم ارتفاع الأسعار، مقارنةً بالمواهب الموجودة في أوروبا وأميركا اللاتينية.
أميركا التي تُعرف بكونها سوقاً متنامياً للأنشطة التسويقية لأندية كرة القدم الأوروبية، قد تغدو قريباً سوقاً متنامياً لكرة القدم في العالم أجمع.
هاجي رايت

يتخطّى التوافق بين اللاعبين الأميركيين والدوري الألماني الجانب الثقافي، إذ يلعب الاقتصاد دوراً بارزاً في جعل البوندسليغا محطةً لهؤلاء اللاعبين. منذ مجيء اللاعب المكسيكي خافيير هيرنانديز (تشيشاريتو) إلى باير ليفركوزن، اتخذت العلاقة الكروية بين البلدين منحى جديداً، وتطال جميع جوانب كرة القدم الأميركية، وربّما أكثر من ذلك بكثير. تشكّل هذه البلاد سوقاً ترويجياً للأندية الألمانية، إذ تسعى هذه الأخيرة لاكتساب عائدات مالية من خلال شهرتها في بلدان أميركا الشماليّة. عندما حطّ اللاعب خافيير هيرنانديز في باير ليفركوزن، زاد عدد متابعي النادي الألماني بشكلٍ كبير، حيث شكّلت الجماهير المكسيكية 20٪ من نسبة متتبعي النادي، كما ارتفع مؤشّر مبيعات قمصان الفريق بشكلٍ ملحوظ بعد الكمّ الهائل من الطلب على قميص رقم 7 الخاص بتشيشاريتو. هكذا فاقت القيمة التسويقية للاعب المكسيكي، ما قدّمه لاعبون أمثال مايكل بالاك وزي روبرتو اللذين وُجدا في صفوف النادي في السنوات الـ15 الماضية.
مع استمرار ارتفاع رسوم الصفقات في أوروبا، قد تذهب الأندية الألمانية بعيداً في عملية التنقيب عن المواهب في منجمها الجديد، وتبحث بشكل أكبر عن المواهب الشابّة في بلدان أميركا الشمالية. إذا كُتب لهذه الخطوة النجاح، قد تحلّ أميركا مكان البرازيل قريباً في سلم البلدان المصدّرة للمواهب، وربّما أوروبا حتى على المدى البعيد، من يدري.