دائماً ما كان الدوري الفرنسي يُخرّج الكثير من اللاعبين الموهوبين، الذين لا يقضون الكثير من الوقت في فرنسا، حتّى تحصل عمليّة انتقالهم إلى واحد من الأندية الأوروبيّة الكبرى. دوري، أخرج لعشاق كرة القدم لاعبين من الطراز الرفيع، ومن الزمن الذي يُسمى اليوم «الزمن الجميل»، كرونالدينيو البرازيلي نجم برشلونة وميلان السابق، ولاعبين من أيامنا الحالية، كعثمان ديمبيلي نجم برشلونة أيضاً، ولاعب بوروسيا دورتموند السابق. تكثر المواهب في فرنسا، ففي كل فريق، توجد موهبة أو اثنتان. يشعر المتابعون بأن هذا اللاعب أو ذاك في الدوري الفرنسي سيكون له شأن كبير في الملاعب الأوروبيّة الأخرى في حال حصول عملية انتقاله. اليوم، مع انتهاء مرحلة الذهاب من موسم 2018/2019، يقدّم الدوري الفرنسي إلى العالم، لاعباً من ساحل العاج، يدعى نيكولاس بيبي. الأرقام وحدَها تجعل مَن لم يتابع هذا اللاعب صاحب الـ23 سنة، يقف عندها ويحاول انتظار مباراة أخرى لنجم ليل الفرنسي، للتركيز عليه، ومعرفة ما إذا كانت هذه مجرد أرقام وإحصائيات. 16 هدفاً حتى الآن في الدوري، مقابل تسع تمريرات حاسمة يتصدّر من خلالها ترتيب أفضل صانعي الأهداف في «الليغ 1». يتميّز بمهارته الفردية وسرعته التي تصنع الفارق مع أي مدافع، تسديداته لا تخيب أمام المرمى. إنّه باختصار، جناح عصري يتمناه أي مدرب في فريقه.

بعد مشاركته لأول مرة في الدوريات المغمورة، شارك بيبي في أول مباراة له مع نادي أنجيه الفرنسي في 2014، النادي الذي كان يقبع في دوري الدرجة الثانية الفرنسي «ليغ2». في 2017، تغيّرت حياة الفتى العاجي، حيث وقّع على عقد لمدة خمس سنوات مع نادي ليل الفرنسي، النادي الذي أطلقه إلى العالمية. لا عجب في أن ليل، هو النادي الذي ظهر فيه بيبي، وبرهن للعالم أنه لاعب من طينة الكبار، فهذا النادي، هو عينه الذي أخرج النجم البلجيكي إيدن هازار نجم تشيلسي الإنكليزي الحالي، وديميتري باييت نجم ويست هام السابق وقائد مرسيليا الحالي. في ليل، اختلفت حياة بيبي كثيراً، حيث أصبح مع نهاية مرحلة الذهاب، محطّ أنظار كبار الفرق الأوروبيّة، ومن بينها نادي آرسنال الإنكليزي. بيبي، إلى جانب كل من الفرنسي جوناثان بامبا (22 عاماً) ورافاييل لياو البرتغالي (19 عاماً)، يشكلون ثلاثياً مميزاً هذا الموسم في الدوري الفرنسي. حيث سجّل هذا الثلاثي 31 هدفاً في الدوري، إضافةً إلى صناعتهم لـ11 هدفاً. لو استُبعِد فريق الأموال باريس سان جرمان، الفريق المعزز بكل النجوم العالمية، بأسمائه الكبيرة كنيمار ومبابي وكافاني وغيرهم الكثير، لكان فريق ليل المرشح الأبرز للتويج والتربع على عرش الدوري الفرنسي منذ أيام المدرب رودي غارسيا في 2011. إلّا أن الأموال تصنع فارقاً في مثل هذه المواقف، وتجعل من فريق ما، أفضل بكثير من غيره، فقط بسبب وجود السيولة المناسبة، وهذا يعَدّ السبب الرئيسي في تراجع الكرة الفرنسية، أو الدوري الفرنسي.

سجّل بيبي 16 هدفاً وصنع 9 أخرى حتّى الآن في الدوري الفرنسي


نيكولاس بيبي، هو النجم الأول لفريق ليل حالياً، كما هو حال نيمار في الـ«بي أس جي»، حيث أحرز ستة عشر هدفاً في الدوري. صاحب الـ 23 عاماً، نجح هذا الموسم أيضاً في تسجيله الهاتريك الأول له بقميص ليل في الدوري، وكان أمام فريق إميان. أصبح بيبي «الإيفواري» والمولود في فرنسا بعد موسم ونصف فقط مع ليل، أحد أبرز اللاعبين الذين تتصارع على ضمهم الأندية الأوروبية.
الإعلام الإنكليزي، في فترة الانتقالات الشتوية الماضية، تحدث عن وجود رغبة لدى المدرب الإسباني أوناي إيمري، المدير الفني لفريق آرسنال في ضم اللاعب لتعويض المصاب داني ويلبك. ومن جهتها، أكّدت صحيفة «التايمز» البريطانية أن النادي اللندني وضع مبلغ 34 مليون جنيه إسترليني للحصول على خدمات بيبي. الأخير لم يسلم أيضاً من أسئلة الصحافيين المحرجة عن مستقبله وإمكانية بقائه أو رحيله عن فريقه ليل، ما أدّى إلى إجابته عن الأسئلة هذه بطريقة «ضبابية». إجابات بيبي اقتصرت على أنه سعيد في ليل، رغم اهتمام كبار الأندية الأوروبية. وفي حديثنا عن الانتقالات وعن إمكانية رحيل بيبي في الصيف على أقل تقدير، أكّد المدير الرياضي لفريق ليل لويس كامبوس أن سعر الجناح الإيفواري لن يقل عن 80 مليون يورو، لكنه أكدّ في الوقت نفسه رغبة النادي في الحفاظ عليه حتى نهاية الموسم الحالي، حيث قال: «أتمنى أن يبقى معنا حتى نهاية الموسم، سنفعل كل شيء للحفاظ عليه، كل أندية القمة في العالم تراقبه، وهذا طبيعي، لكن الرئيس كان واضحاً». وهذا ما حدث فعلاً، سيبقى بيبي حتى نهاية الموسم مع ليل، نظراً لانتهاء فترة الانتقالات الشتوية، ما يعني أنه سيبقى مع ليل وسيكمل تألقه مع النادي الذي، بكل تأكيد، سيبقى في قلبه في حال رحيله في الصيف المقبل إلى وجهة يراها مناسبة.
ما يمكن أن يُلقى الضوء عليه، أن نجماً كبيبي، لا يَلقى اليوم هذا الزخم الإعلامي الكبير، ربّما بسبب جنسيته الـ«إيفوارية». نعم، بسبب جنسيته، فماذا لو كان قد مثّل فرنسا، هل سيتلقى الإعلام الأوروبي والفرنسي خصوصاً هذا التألق بالصورة ذاتها؟ الجواب طبعاً لا. لكن اختيار اللاعب لجنسية والديه جعل منه مادّة غير دسمة للإعلام الفرنسي الذي يشتهر بعنصريته تجاه اللاعبين «المهاجرين». هذا الإعلام يريد جميع المهاجرين ككيليان مبابيه، أي أن يجلبوا الجوائز لفرنسا، لا لبلادهم الأصليّة. الأمر عينه حدث مع الفرنسي ذي الأصول الجزائرية نبيل فقير، نجم نادي ليون وقائده في الموسمين الأخيرين. لكن هذه هي فرنسا. ومن المتوقع أن يردّ بيبي بالطريقة التي يحبها، على أرض الملعب، ويستمر في تقديم موسم مثالي بالنسبة إليه، ويبقى يثير اهتمام أبرز الفرق الأوروبية، لينهي بذلك موسماً، برهن من خلاله على أنه ليس بحاجة لفرنسا ولا لدوريها، فالحقيقة تقول إن ليل تستفيد من بيبي أكثر مما هو يستفيد في الفترة الحاليّة. كذلك فإنّه لا يستحق هذه المعاملة من الإعلام في فرنسا.