بالتأكيد لبنان ليس البرازيل، لا على صعيد المستوى العام لكرة القدم أو على صعيد المستوى الفردي للاعبين. لكن في الفترة الأخيرة، بدت الملاعب اللبنانية كأنها أصبحت محطة أساسية لتصدير اللاعبين بالجملة، بغضّ النظر عن مستوياتهم، إذ لم يعد اللاعب الدولي، أو إذا صح التعبير أكثر، ذاك الذي يدافع عن ألوان المنتخب الوطني، مرشحاً أوحد لخوض مغامرة الاحتراف في الخارج، إذ ينتقل اليوم لاعبون من مستويات مختلفة، وبعضهم لم يكن يجد حتى مكاناً أساسياً في تشكيلة فريقه المحلي!


وقد يرى كثيرون أن هذه الظاهرة هي مسألة صحية ستنعكس إيجاباً على كرة القدم اللبنانية في المستقبل القريب، استناداً الى خروج اللاعبين للاحتراف بعيداً من الدوري اللبناني الذي يعتبر البعض أنه يتمتع بمستوى أكثر من عادي، رغم التطور الذي أصاب اللعبة منذ أعوام قليلة. إلا أن هذا الرأي قد لا يكون دقيقاً الى حدّ بعيد، وخصوصاً أن لاعبينا باتوا يبحثون عن الاحتراف في أي مكان لأسباب مختلفة، إذ لا تهمّ وجهة البلد أو مستوى كرته أو اسم النادي، بل الأهم هو تحقيق جزء من «حلم»، الأكيد لم تكن صورته مرسومة في مخيلاتهم بالشكل الذي ظهّرها البعض في الفترة الأخيرة.
وهنا الحديث تحديداً عن لاعبين لا يذهبون للاحتراف على أعلى مستوى، على غرار ما فعل رضا عنتر ويوسف محمد، اللذين فرضا حضوراً لافتاً في الدوري الألماني لسنواتٍ عدة، إذ إن الجيل الحالي يبحث عن مغامرة في بلدانٍ مثل الهند وماليزيا، حيث لا ترتقي الأندية حتى الى مصاف جيرانها في القارة الآسيوية، مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان، ولا يعكس مستوى منتخبها على الساحة القارية سوى تواضع مستوى بطولتها وأنديتها بشكلٍ عام. وهذه المسألة من دون شك ستعود بالسلبية على مستوى هؤلاء اللاعبين اللبنانيين الذين لا يمكن القول بأنهم محترفون، بكل ما للكلمة من معنى، بل مجرد لاعبين متفرّغين للعب كرة القدم، لأن تلك البلدان لا تطبق معايير الاحتراف بالشكل الذي يجعلها تشارك في دوري أبطال آسيا على سبيل المثال.
عددٌ من اللاعبين يوضح أنه لا يمكن لأي لاعب رفض عرضٍ من الخارج لسببٍ بسيط، وهو أن كل لاعب كرة يعاني الكثير في لبنان، وبالتالي فإنه يجد في اللعب خارجاً فرصة لتأمين مستقبله. وهذا ما يقوله معتز بالله الجنيدي، الذي ظهر مدافعاً دولياً مميزاً مع المنتخب الوطني وقائداً للأنصار في لبنان، لكنه يلعب اليوم مع دبا الفجيرة في دوري الدرجة الأولى الإماراتي (لا دوري المحترفين)، حيث وجد الاستقرار على حدّ قوله، مضيفاً: «عندما تتأمن للاعب اللبناني كل الظروف، تجده قادراً على العطاء بشكلٍ كبير ومنافسة كل الأجانب. لذا، فإن أمثال يوسف محمد وبلال نجارين وحسن معتوق لمعت أسماؤهم في ملاعب الإمارات، وهذا الأمر أعطى صورة جيدة عن اللاعبين اللبنانيين، ما يفتح الباب الآن لعبور المزيد منهم نحو الاحتراف هناك».
ويلتقي رأي الجنيدي مع ما يقوله حسن المحمد الذي كان مستعداً أخيراً لترك نادي النجمة، الذي تربطه علاقة عاطفية به، من أجل الاحتراف مع عجمان المهدد بالهبوط في دوري المحترفين الإماراتي، إذ يعتبر «ليس هناك من لاعب لبناني يشعر بالاستقرار هنا، لا على الصعيد المادي أو النفسي، لكن الثقة بالنفس موجودة، وبالتالي فإن أي لاعب يقبل التحدي ولا يتردد في الإقدام على هذه الخطوة».
وبعيداً من احتراف بعض اللاعبين في الخليج على مستوى عالٍ، مثل محمد حيدر الذي ارتدى ألوان اتحاد جدة سابقاً والفتح حالياً في السعودية، فإن عامل المال أصبح فوق كل اعتبار، وهذا ما يفسّر ما سمّاه مدرب الأنصار السابق العراقي هاتف شمران، الهجرة العكسية باتجاه الملاعب العراقية «إذ سابقاً كان هناك 18 لاعباً عراقياً في موسمٍ واحدٍ في لبنان، بينما اليوم يتمنى أي لاعب لبناني الذهاب للعب في العراق، رغم المخاطر الأمنية المحيطة ببعض المناطق هناك. إذا لم يتأمن المال في لبنان، فإن المزيد سيخرج الى أي مكان حيث المال الوفير».
أما أكثر المستفيدين من هذه الظاهرة فهم «السماسرة» الذين باتوا لا يفرّقون بين لاعبٍ دولي وآخر عادي، فيستغلون الى أقصى الحدود السمعة الطيّبة التي حازتها الكرة اللبنانية أخيراً على الصعيد الخارجي، وسط النتائج التي حققها المنتخب في تصفيات مونديال 2014، حيث بات سهلاً بالنسبة إليهم عرض «بضاعتهم» من دون حتى القبول بالتفاوض على قيمتها التي قد لا تكون أحياناً دقيقة وصحيحة.

يمكنكم متابعة شربل كريم عبر تويتر | @charbel_krayem




ثيو بوكير: أنا السبب

«لا أريد أن أسوّق لنفسي، لكن الجميع يعرف أنني أحد الأسباب الرئيسية». بهذه الكلمات، يجيب الألماني ثيو بوكير عن السؤال إذا ما كانت نتائج المنتخب الوطني بقيادته قد ساهمت في خلق هذه الهجمة على اللاعبين اللبنانيين. ويضيف: «رضا عنتر مثال على المحترف الناجح، واليوم نقلنا لاعباً الى نادٍ فرنسي مرموق (يعني فيليب باولي الموجود في ليون). لقد غيّرت من سلوك العديد من اللاعبين، فتمكنوا من العبور الى الاحتراف، وهذا أمر لم يحصل قبل وصولي أو قبل عودتي إلى لبنان».