أن يكون على مقعد الاحتياط وخارج قائمة اللاعبين مدافعون أمثال علي السعدي، معتز الجنيدي، أحمد عطوي، محمد باقر يونس وعباس كنعان، في عزّ عطائهم، فهذا يعني أمران: إما أن من يُشارك في التشكيلة الأساسية لا يقلّ أهميةً عن الأسماء المذكورة، أو ان المدرب مقبلٌ على خسارة المباراة، وغالباً، هذا لن يحصل، إذا كان المدافعان الأساسيان هما يوسف محمد وبلال نجارين.

خلال تَصفيات كأس العالم «البرازيل 2014»، كانت هذه الأسماء متوافرة لمدرب منتخب لبنان الألماني ثيو بوكير، بل إن خياراته تتسع إلى حسن مزهر، وحسن ضاهر، وعلي يعقوب وغيرهم، إلى جانب بعض الأظهرة الذين كانوا قادرين أيضاً على لعب دور قلب الدفاع. ومع تولّي المدرب الإيطالي جيوسيبي جيانيني القيادة الفنيّة، اتسعت اللائحة لتشمل نور منصور، ومحمد علي خان وجوان العمري، ولو أن الأخير لم يخض سوى مباراة واحدة مع المنتخب حينها، إلا أنه كان من بين الخيارات.
اليوم، قلّت الخيارات، لكن المدافعين الحاضرين في المنتخب الأوّل قادرون على قيادته دفاعياً. الجنيدي (33 عاماً)، لا يزال ضمن صفوف المنتخب، ومعه العمري (31 في آب المقبل)، ومنصور (28)، إلى جانب قاسم الزين (27)، وجاد نور الدين (27) وأخيراً ألكسندر ملكي (26). المشكلة الدفاعية غير موجودة، ومعظم هؤلاء قادرون على البقاء في المنتخب حتى بطولة كأس آسيا المقبلة في الـ 2023، لكن المشكلة تَكمن في بدلائهم، وهم في الواقع غير موجودين.
مُشاركة منتخب لبنان الأولمبي الأخيرة في تصفيات كأس آسيا، حملت معها الخسارة الأكبر تاريخياً للمنتخب في التصفيات القارية أمام الإمارات بستة أهدافٍ لهدف. ستةُ مدافعين استدعاهم المدرب الصربي ميليتش كورسيتش إلى التصفيات. بتشكيلةٍ من أَربعة لاعبين في خط الدفاع، لفريقٍ سيخوض ثلاث مباريات خلال ستة أيّام من دون تحضير وبمجموعةٍ بعض من فيها لا يعرفون زملاءهم، يبدو عدد المدافعين قليلاً، والسداسي هذا، ليس بينه سوى لاعب واحد في مركز قلب الدفاع، هو مارك مهنا، الذي لم يلعب أساسياً إلاّ مرتين مع الراسينغ هذا الموسم. إلى جانبه لَعِب ظهير أيسر النجمة حسين شرف الدين، وهو بدوره لم يخض سوى ثلاث مباريات، وحين أصيب في المباراة الثانية أمام السعودية، دخل ظهير أيسر العهد مصطفى كساب بدلاً منه. أمّا جمال خليفة، الذي كان من المفترض أن يبدأ أساسياً في التصفيات وغاب عنها بسبب الإصابة خلال التمارين، فهو لم يلعب أي مباراة هذا الموسم، بعدما استغنت إدارة الصفاء عنه وعاد إلى العهد.
الخيارات كانت ضيّقة، وربما هي السبب خلف عدم اعتماد مساعد المدرب المونتنيغري ميودراغ رادولوفيتش على خمسة لاعبين في الخط الخلفي، كما يحصل في المنتخب الأوّل، بل حتّى إنه أشرك جناح شباب الساحل حكمت الزين في مركز الظهير الأيمن مرّتين، وهذا الأمر لا يعود إلى اختيارات المدرب، التي اعترض عليها المتابعون من ناحية غياب بعض اللاعبين، فهو فعلياً لم يكن في قائمته سوى مهنا وخليفة مِمّن يلعبون في مركز قلب الدفاع، وهذا الموضوع يُعيد الحديث إلى الدوري، حيث إن أصغر لاعبٍ يشغل هذا المركز هو خليل خميس من العهد (23 عاماً) وبعده خالد علي (24) من طرابلس.

كرة القدم اللبنانية مُقبلة على مرحلة سيكون فيها المدافع اللبناني عملةً نادرة


غياب المدافعين عن فرقهم ليس جديداً، فالأندية لطالما تعاقدت مع مدافعٍ أجنبي ليكون إلى جانب آخرٍ لبناني، والدوري حالياً يضم مدافعين أجانب في جميع الفرق ما عدا الراسينغ الذي يشارك بلبنانيين، عقب الاستغناء عن الروماني أندريه فيتيلارو بعد مرحلة الذهاب، والصفاء، وهو استغنى بدوره عن مدافعه قبل انطلاق الإياب. ما اختلف، هو أن المدربين باتوا يبحثون عن المدافع صاحب الخبرة إلى جانب الأجنبي، بما أن المركز حسّاسٌ أكثر من غيره. في النجمة يلعب قاسم الزين، وفي الأنصار معتز الجنيدي ومعه حسن بيطار، وكذلك الحال في العهد حيث يُشارك نور منصور برفقة خليل خميس حين يغيب السوري أحمد الصالح، فيما يعتمد الساحل على علي الأتات، وهو لاعب وسط، بينما يُشارك أحمد عطوي في الإخاء، وحسن هزيمة في البقاع، ويحضر حمزة خير في السلام، وعلي السعدي وجاد نور الدين في الصفاء، ويلعب محمد صادق وحسين السيّد في الراسينغ، ليشاركوا برفقة الأجانب، من دون فرصةٍ للاعبين الشباب، وفي الواقع، تخْلو معظم تشكيلات الفرق من قلب دفاعٍ شاب.
وإذا كان المنتخب الأولمبي لا يَضمّ سوى لاعبَين في قلب الدفاع، لا يُعتمد عليهما مع فريقيهما، وأصغر مدافعي المنتخب الأول سيبلغ الثلاثين من العمر قبل بطولة كأس آسيا 2023، فهذا يعني أن ثمّة مرحلة زمنية سيغيب عنها المدافعون إذا ما استمرت الفرق في عدم الاعتماد على الشباب في هذا المركز.

«مُقبلون على مرحلةٍ صعبة»
بمسيرةٍ كرويةٍ انطلقت من الصفاء فأولمبيك بيروت، إلى ألمانيا في «البوندسليغا» وبعدها الإمارات، ينظر اللاعبون اللبنانيون إلى كابتن المنتخب السابق يوسف محمد «دودو» كقدوةٍ يُحتذى بها. في العشرين من عمره كان من ضمن اللاعبين المستدعَين إلى بطولة كأس آسيا التي استضافها لبنان عام 2000، قبل انتقاله إلى ألمانيا في سن الـ24 حيث لعب سبع سنوات مع فرايبورغ وكولن، متّجهاً بعدها إلى الأهلي الإماراتي ليخلِف الإيطالي فابيو كانافارو. المستشار الفني للمنتخب تابع الفريق الأولمبي، وبرأيه، لن يكون هناك أي مدافع يُمكن أن يُعتمَد عليه دولياً في المستقبل. مرحلةٌ صعبةٌ يرى «دودو» أن المنتخب مقبلٌ عليها، ليس على الصعيد الدفاعي فحسب، بل بشكلٍ عام. ويقول دودو في حديث مع «الأخبار»، إنه «بعيداً عن المدافعين الموجودين مع المنتخب الأول حالياً، لا أعتقد أن هناك مدافعاً في الدوري قادراً على تمثيل لبنان في المستقبل، إذ إن الفرق باتت تعتمد على الأجنبي ومعه لاعب خبرة، في حين اننا كنّا نبدأ مسيرتنا الكرويّة في سنٍّ صغيرة، وقد لعبت للصفاء وأنا في الـ17 من عمري. الأندية والمدربون يتحمّلون المسؤولية في هذا الأمر». برأي محمد، المنتخب سيعاني بعد خمس سنوات، وهذه المعاناة لن تقتصر على غياب المدافعين، بل في مراكز أخرى أيضاً. ويتابع «قد يكون هناك بعض الأسماء في منتخب الشباب، ولم يظهر في دوري الدرجة الأولى، قادر على تمثيل المنتخب، لكن بالتأكيد إن ثمّة فترة زمنية مُقبلة سنفتقد خلالها لاعبين مميزين، وهذا الأمر كان واضحاً من خلال مباريات الفريق الأولمبي الأخيرة».
قلّةٌ يذكرون كابتن الإخاء الأهلي عاليه أحمد عطوي بقميص النجمة. أحد أفضل مدافعي الدوري اليوم، لم تُتَح له فرصة تمثيل «النبيذي» لوقتٍ طويل، ذلك لأن الفريق كان لديه تخمة من المدافعين النجوم. يسرد عطوي في حديثه مع «الأخبار» الأسماء التي لعبت للفريق عينه حين ترفّع من فريق الشباب إلى الصفّ الأول، ويقول «محمد حلاوي، بلال نجارين، حسين ضاهر، حسن الحسيني، علي واصف محمد والشهيد حسين دقماق، جميعهم لعبوا في الفترة الزمنية عينها. كُنت خارج قائمة اللاعبين حتّى، ولذلك اخترت الانتقال إلى فريقٍ آخر» يؤكد عطوي، الذي لعب بعدها للأهلي صيدا.
وعلى الرغم من أن الجمهور يُطالب دائماً باستدعائه إلى المنتخب، فإنّه لم يأخذ فرصةً حقيقيةً سوى مع الإيطالي جيوسيبي جيانيني، وذلك لأسبابٍ عديدة، أبرزها أن المنتخب كان يضمّ عدداً من النجوم، في مقدّمتهم يوسف محمد وبلال نجارين. الاعتزال ليس فكرة واردةً لديه، على الرغم من وصوله إلى سن الـ34، ذلك لأن الفرق تخلو من المدافعين، وحتى في فريقه، وحده نادر مروش قادر على لعب دور قلب الدفاع، علماً بأنه يُشارك كظهير. ويضيف عطوي، «قد نصل إلى مرحلةٍ تتعاقد فيها الأندية مع مدافعيَن أجانب، ولا أعتقد أن في الدوري مدافعين صغاراً في السن نسبياً سوى خليل خميس في العهد وخالد علي في طرابلس».
بين فترةٍ زمنيةٍ عرفت تجنيس لاعبين في المنتخب خلال بطولة كأس آسيا 2000، وأخرى تبعتْها استُبعِد خلالها عددٌ من نجوم الدوري بسبب فائض المدافعين، ثمّ البحث عن لاعبين من أصولٍ لبنانية ينشطون في الخارج، يبدو أن كرة القدم اللبنانية مُقبلة على مرحلة سيكون فيها المدافع اللبناني عملةً نادرة.