منذ مطلع الألفية اعتُبرت الكرة الإنكليزية واحدةً من أبرز أقطاب الكرة الأوروبيّة. أنديةٌ عملاقة كليفربول ومانشستر يونايتد وبدرجةٍ أقل تشيلسي، نافست دائماً على دوري أبطال أوروبا، غير أنّ ذلك تغيّر في العقد الأخير تبعاً لعوامل عدة. ترافق هذا التراجع مع هبوط مستوى ناديي مانشستر يونايتد وليفربول، مقابل تعاظم قوة جديدة في الدوري دون خبرة أوروبية تمثّلت بمانشستر سيتي، ما حال دون تخطّي الأدوار المتقدّمة من دوري الأبطال.

تأهّلَ توتنهام إلى نهائي الأبطال. سبقه ليفربول. آرسنال وتشيلسي تألقا في الدوري الأوروبي أيضاً. سنة إنكليزية فتّحت الأعين على الدوري الإنكليزي من جديد.
كان للطفرة المالية في الدوري الإنكليزي، الناتجة عن عائدات حقوق النقل التلفزيوني، الأثر الأكبر في تطوّر الكرة الإنكليزية أخيراً. ساهم النمو المالي لكرة القدم الإنكليزية على مدى العقدين السابقين، بحلول الدوري الإنكليزي الممتاز في صدارة دوريات كرة القدم العالمية، وذلك بعد أن شدّد الاتحاد الإنكليزي على ضرورة التطوّر في ثلاثة مجالات: الأعمال التجارية، غزارة المباريات بفعل كثرة المسابقات والبثّ التلفزيوني. أمّا النتيجة فكانت متوقّعة، ربحٌ كبير.
لزيادة الأرباح، استثمر القيّمون على الفرق الإنكليزية المبالغ المحصّلة من عائدات النقل التلفزيوني في تحسين فرقهم، ما انعكس بالتالي على ارتفاع المنافسة ودرّ عائدات أكبر من سابقها. التوزيع العادل لعوائد النقل التلفزيوني على الأندية الإنكليزية كافة، جعل من هذه الأخيرة وجهةً جذابةً لأبرز لاعبي ومدربي العالم على حدٍّ سواء، حيث توجد الضمانات لمشروعٍ رياضي مثمر، إذ يحظى الصاعد إلى الدوري الإنكليزي مثلاً على مبلغ مقارب لجائزة المتوّج بدوري أبطال أوروبا. التسهيلات المالية التي أثمرت عن دوري تنافسي بامتياز، شكلت مطلباً حثيثاً للعديد من فرق الدوري الألماني، التي تعاني من الآثار السلبية لقانون «50+1» الذي يحول دون حصول الأندية الضعيفة والمتوسطة على عائدات قريبة من فريقي الطليعة بايرن ميونخ وبوروسيا دورتموند.

تطور الكرة الإنكليزية يظهر عبر نتائج الأندية في أوروبا ومشاركات المنتخب


ينفرد الدوري الإنكليزي عن بقية الدوريات بتنافسيةٍ شرسة في مراكز الجدول كافة. ظهر ذلك جلياً هذا الموسم، بعد أن شهد الدوري ثلاث معارك على ثلاث جبهات: بطل الدوري، مقاعد دوري الأبطال، معركة الهبوط.
شكّلت فرق متوسّط القاع وما دون تهديداً دائماً لفرق المقدّمة، إذ كان لهذه الفرق الكلمة الأخيرة في رسم جدول الترتيب بعد أن حصدت العديد من النقاط من الفرق الكبرى. وولفرهامبتون وحده تمكّن من تحصيل أكبر عدد نقاط من فرق المقدمة، رغم احتلاله المركز السابع في الدوري. في بقية الدوريات الخمسة الكبرى، يظهر فريق محدّد بصورة المهيمن ما يضعف ظهوره في الاستحقاقات الأوروبية، نتيجة تعوّد لاعبيه على مستوى محدد يحدّ من إمكاناتهم عند مواجهتهم مستوى أعلى في أوروبا. يظهر ذلك جلياً في فرنسا وإيطاليا وألمانيا.
ساهم «نزوح» أفضل مدربي العالم إلى الدوري الإنكليزي بتغيير ثقافته بما يتوافق مع متطلبات الكرة الحديثة. أنديةٌ عديدة تغيّر أسلوبها بعد أن أشرف عليها مدربون من النخبة، على غرار يورغن كلوب، بيب غوارديولا وماوريسيو ساري. الثقافة الهجومية التي جاء بها المدربون الجدد إلى الدوري، بتفاصيلها وفعاليتها، رفعت من نسقه ما انعكس بالتالي على المنتخب الإنكليزي.

تطور المنتخب
لطالما اشتهر الإنكليز بكرتهم التقليدية. رغم تواتر العديد من الأجيال، بقيت قاعدة الـ«كرات الطولية والثابتة»، عائقاً أمام ظهور المنتخب كقوة ضاربة. اليوم، تغيّر كل شيء. مع ارتفاع نسق الدوري المحلي، ارتدى منتخب إنكلترا زي المنافس على الألقاب. استفاد مدرب المنتخب غاريث ساوثغيت من كادر بشري شاب وناضج كروياً، بإمكانيات فنية وبدنية عالية، على غرار رحيم ستيرلينغ اللاعب الذي «انفجر» مع غوارديولا، ما انعكس إيجاباً على مسار المنتخب. بطولة كأس عالم مميّزة قدمها منتخب الأسود الثلاثة في روسيا (2018)، انتهت باحتلاله المركز الرابع، بعد خسارته دور نصف النهائي أمام كرواتيا وصيف البطولة. النجاح الكبير الذي عرفه الإنكليز في المونديال، استمر في تصفيات دوري الأمم الأوروبية، حيث ثأرت إنكلترا من كرواتيا، مستثمرةً فوزها بالتأهل إلى المربع الذهبي على حساب إسبانيا، لتحتل بعدها صدارة المجموعة الأولى.
استفاد المنتخب الإنكليزي من مدربي الدوري المحلي، واستفاد المدربون من نظام أكاديميات المنتخب، والفئات العمرية على مختلف درجاتها، التي حققت نجاحات استثنائية على الصعيدين القاري والعالمي، بشرت بمستقبل مشرق لمنتخب الأسود الثلاثة. في الصيف الماضي، تمكن منتخبا إنكلترا للشباب تحت 20 عاماً وتحت 17 عاماً من إحراز المونديال الأول لإنكلترا على صعيد الفئات كافة منذ 1966، إضافةً إلى بطولة أوروبا (يورو) تحت 19 عاماً. وصل الإنكليز تحت 21 عاماً أيضاً إلى نصف نهائي اليورو، كما وصل منتخب تحت 17 عاماً إلى نهائي اليورو، غير أن المنتخبَين خرجا من البطولة بعد خسارتهما في ركلات الجزاء. أضاءت هذه البطولات على بعض المواهب الإنكليزيّة «المدفونة»، على غرار خريج أكاديمية تشيلسي دومينيك سولانكي، خريج أكاديمية مانشستر فيل فودين، خريج أكاديمية إيفرتون كالفيرت لوين، وغيرها من الأسماء التي قد تشكّل قوام المنتخب الإنكليزي في المستقبل القريب.
سيطرت إيطاليا على أوروبا، تلاها ألمانيا فإسبانيا. النتائج الأخيرة للكرة الإنكليزية تبشّر بحقبةٍ ذهبية للإنكليز، في ظلّ ترافق قوتها المتعاظمة مع كبوة فرق بقية الدوريات الكبرى. مع منح مدرب مانشستر يونايتد سولشاير ميزانية ضخمة في الصيف، وتأقلم كلّ من مدربي تشيلسي وآرسنال ساري وأوناي إيمري في موسميهما الثاني في الدوري الإنكليزي، قد يكون الموسم المقبل أفضل موسم في تاريخ إنكلترا على الصعيدين المحلي والأوروبي.