تطور كبير شهدته كرة القدم خلال السنوات الماضية. أموال هائلة تُصرف في هذا العالم، وأسعار اللاعبين باتت «فلكية». الرياضة الأكثر شعبية في العالم تجذب الجميع دون استثناء، خاصة الكرة الأوروبية، حيث الشكل والتنظيم والملاعب المتطورة، كما كرة القدم الحديثة. ولكن كل هذا الجمال وهذه المثالية تخفي وراءها سلبيات كبيرة، وأولها العنصرية، حيث يتعرض اللاعبون أصحاب الأصول الأفريقية لإساءات عنصرية بشكل مستمر في الملاعب الأوروبية عامة، وهذه المرة بدأت هذه الإساءات باكراً في إنكلترا، وهي مرشّحة للازدياد إذا لم يتم اتخاذ تدابير صارمة.

خلال المواسم القليلة الماضية، ارتفعت وتيرة الإساءات العنصرية ضدّ لاعبي كرة القدم أصحاب البشرة السمراء في أوروبا. الجمهور هو أول من يوجّه هذه الإساءات للاعبين، وفي المرتبة الثانية تأتي إساءات اللاعبين لبعضهم البعض. تتجاهل غالبية الجمهور الأوروبي أن لاعبي منتخب بلاده بمعظمهم، هم من أصول أفريقية أو أميركية جنوبية، ويواصل توجيه الإساءات وإظهار عنصريته ضدهم. خلال الموسم الماضي تعرض لاعب منتخب إنكلترا ونادي مانشستر سيتي رحيم ستيرلينغ لإساءات وعبارات عنصرية من جمهور ناديي تشيلسي وويستهام يونايتد. اللاعب المصري محمد صلاح نجم نادي ليفربول، طالته أيضاً هذه الإساءات العنصرية خلال تلك الفترة، وتم تصويره على أنه إرهابي ويريد زراعة قنبلة لتفجيرها. الأمر لم يقتصر على إنكلترا بل انسحب إلى فرنسا مع تعرّض قائد نادي ايميان برينس غوانو لإساءات عنصرية خلال مباراة مع نادي ديجون. ومن نسي كلّ هذه التفاصيل، لا يمكنه نسيان ما حصل مع لاعب نادي يوفنتوس السابق وايفرتون الحالي مويس كين، الذي تعرّض لإساءات عنصرية من الجمهور، كما من زميله في الفريق ليوناردو بونوتشي، الذي عاد واعتذر منه لاحقاً.
هذا الموسم بدأت «حفلة العنصرية» باكراً، فخلال مباراة كأس السوبر الأوروبي التي جمعت ليفربول الإنكليزي بنظيره تشلسي في مدينة اسطنبول التركية، هاجمت جماهير الأخير لاعب فريقها تامي أبراهام بعبارات عنصرية، بعد إضاعته ركلة جزاء لفريقه. حاول الإعلام الإنكليزي حينها الدفاع عن جماهير تشلسي، ومحاولة تصوير أن هذه الإساءات قام بها الجمهور التركي الذي كان موجوداً في الملعب، ولكن ما يقوم به جمهور تشلسي عادة، يؤكد أنه ليس بعيداً عن ما حصل بحق ابراهام. جمهور النادي اللندني اعتاد على توجيه عبارات عنصرية للاعبين أصحاب البشرة السمراء، ولم ينسَ أحد ما قامت به جماهير الـ«بلوز» في العاصمة الفرنسية باريس قبل حوالى ثلاث سنوات، عندما منعوا أشخاصاً من الصعود إلى «ميترو الأنفاق» لأن بشرتهم سمراء، وكانوا يصيحون حينها «نحن عنصريون ونفتخر».
لا يمكن لأحد أن ينكر أن اللاعبين المهاجرين هم الذين يصنعون أمجاد الأندية والمنتخبات الأوروبية على حد سواء، ورغم ذلك يتعرضون لكلّ هذا دون رادع، أو حساب حقيقي من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم، أو الجهات المسؤولة عن حماية اللعبة واللاعبين على حد سواء. تؤكد العديد من الجهات والمصادر أن غياب المحاسبة هو الذي يؤدي إلى تفاقم هذه الظاهرة.

إساءات عبر وسائل التواصل الاجتماعي
الجماعات العنصرية من الجماهير طورت أساليبها، وبدأت تلجأ إلى وسائل التواصل الاجتماعي لتوجيه الإساءات للاعبين. هذا الأمر حصل بداية الموسم الحالي وقبل أيام قليلة تحديداً، عندما تعرض لاعب نادي مانشستر يونايتد الإنكليزي بول بوغبا لإساءات عنصرية خلال مباراة فريقه مع وولفرهامبتون ضمن منافسات الجولة الثانية من الدوري الإنكليزي الممتاز، وذلك بعد أن أضاع ركلة جزاء. الإساءات كانت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فما كان من مدرب منتخب إنكلترا للسيدات فيل نيفيل إلا أن دعا إلى مقاطعة مواقع التواصل الاجتماعي. وقال نيفيل حينها: «أعتقد أنه علينا اتخاذ تدابير صارمة كمجتمع كرة قدم ـ لقد عانت لاعباتي من هذا الأمر على مواقع التواصل الاجتماعي كما عانى منه نجوم الدوري الإنكليزي الممتاز ولاعبو الدرجة الأولى». وتابع: «أتساءل عما إذا علينا كمجتمع كرة قدم مقاطعة هذه المواقع. لأن تويتر لن يقوم بشيء حيال الأمر أسوة بإنستغرام، يرسلون رداً عبر البريد الإلكتروني أنهم سيحققون في المسألة، ولكن لا يحدث شيء». وعبّر الدولي الإنكليزي السابق (1996-2007) عن غضبه قائلاً: «لقد فقدت الأمل بكلّ من يشرف على مواقع التواصل الاجتماعي هذه، لذا فلنبعث رسالة شديدة اللهجة: لنغيب عن المواقع لمدة ستة أشهر. فلنرَ التأثير الذي قد تتركه (المقاطعة) على شركات مواقع التواصل الاجتماعي». وبعد هذه الحادثة تقرر أن يحصل اجتماع بين إدارة نادي مانشستر وممثلين عن موقع تويتر، وجمعية «اركله خارجا» وهي مؤسسة لمحاربة التمييز في كرة القدم، وأعضاء من المجتمع المدني مهتمين بسماع كيف يعمل موقع تويتر بنشاط وبشكل استباقي من أجل مكافحة الإساءات العنصرية عبر الإنترنت تجاه بعض اللاعبين في المملكة المتحدة.

أجريت العديد من الدراسات والأبحاث حول ظاهرة العنصرية في ملاعب كرة القدم


الاعتداء على بوغبا تبعته الجماهير الإنكليزية باعتداء آخر على زميله في الفريق ماركوس راشفورد، بعدما سدد ركلة جزاء اصطدمت بالعارضة في المباراة التي خسرها فريقه أمام كريستال بالاس. ومن جهته طالب مدرب اليونايتد أولي غونار سولشاير بضرورة وضع حدّ لهذه الممارسات التي تؤثر سلباً على نفسية اللاعبين، كما على اللعبة بشكل عام.
كل هذه الظواهر والإساءات العنصرية حصلت والدوري لا يزال في بدايته، والمباريات في معظمها يمكن تعويضها، ولكن ربما الأمر بات جزءاً من التشجيع في بريطانيا، وبالتالي يجب أن يتم اتخاذ قرارات جدية وسريعة.

حلول على المدى البعيد
دائماً ما يؤكد الاتّحاد الدولي لكرة القدم ضرورة اتخاذ إجراءات صارمة ضد الإساءات العنصرية في الملاعب، ولكن ما يحصل هو أن هذه العنصرية تزداد يوماً بعد آخر. في الفترة الأخيرة باتت تظهر العديد من الجمعيات والروابط التي تعمل على محاولة الحدّ من العنصرية في ملاعب كرة القدم، بينها جمعية «اركله خارجا» الإنكليزية، ولكن تأثيرها لا يزال ضعيفاً. وإضافة إلى كل هذا، عمدت بعض الجامعات إلى إجراء دراسات تتعلق بالموضوع في محاولة لاجتراح حلول. صحيفة «كورييه إنترناسيونال» الفرنسية نقلت دراسة أجريت في نسيان/ابريل الماضي عن صحيفة «Le Temps» السويسرية تحدثت عن أهمية وضرورة مكافحة العنصرية في كرة القدم العالمية.
ويذكر المقال أن الملاعب الأوروبية تشهد كلّ أسبوع تقريباً إساءات عنصرية تتمثل بـ«صرخات قرود» موجهة إلى لاعبين من أصول أفريقية، أو حتى رشق فاكهة الموز على الملعب، وتوجيه عبارات عنصرية من أجل تشبيه بعض اللاعبين بالقردة. ونقلت المقالة عن المؤرخ في جامعة لوزان السويسرية نيكولاس بانسيل قوله: «في جميع أنحاء أوروبا، نشهد ارتفاعاً في القومية منذ بضع سنوات». أما البروفيسور الرياضي باتريك كلاسترز فيقول من جهته: «التغطية الإعلامية لكرة القدم والعواطف الموجودة في العمل تزيد من وضوح العنصرية الكامنة بين السكان». وبحسب كلاسترز فإن ملاعب كرة القدم هي الأماكن العامة شبه الوحيدة التي يمكن سماع عبارات عنصرية فيها، ويحاول الناس إسكاتهم. هذا الكلام الأخير لا يوافق عليه كثيرون، على اعتبار أن الإساءات العنصرية باتت ترتفع نسبتها في الشوارع الأوروبية أيضاً.
وبحسب العديد من المتابعين والمراقبين، فإنّ الإجراءات التي تتخذها اتحادات الدول، وحتى الـ«فيفا» هي غير كافية. فعلى سبيل المثال، تغريم النادي مالياً ليس هو الحل، لأن المبالغ عادة لا تكون كبيرة، وبالتالي يمكن للأندية التي لديها ميزانيات ضخمة أن تدفعها. حتى أن منع الجمهور من الدخول إلى المباريات لفترة قصيرة لم يحلّ المشكلة نهائياً.
ومن الحلول التي تُعتبر منطقية بحسب العديد من المتابعين، هو أن يتم التنسيق بشكل أكبر بين الهيئات والجمعيات العاملة في هذا المجال، والتعاون مع الشرطة في تلك الدول، خاصة في الدوريات التي تعاني فعلياً من العنصرية. وكانت المطالبة بأن يتم تجريم كلّ من يوجّه عبارات عنصرية ضد اللاعبين.
أما الحلّ الأفضل فكان بحسب أكثر من دراسة ومتابعة، هو أن تصل شخصيات من جنسيات مختلفة، وقارات مختلفة إلى مراكز قيادية في إدارة الاتحاد الدولي لكرة القدم، وباقي الوظائف الرياضية الكبيرة، حتى في الاتحادات داخل الدول الأوروبية. فيقول كلاسترز في هذا الإطار: «كرة القدم يقودها في معظمها رجال بيض»، ومن وجهة نظره يجب أن يشغل المناصب العليا أشخاص كفوئين بغض النظر عن جنسياتهم، ولا يجب أن يحتكر هذه الوظائف الرجال البيض فقط، على اعتبار أن هذا الأمر يعزز العنصرية.
الاقتراح الأخير يتطابق مع ما نشرته «BBC» عن أن منذ عام 1990، كان واحد من بين كلّ أربعة لاعبين إنكليز دوليين متقاعدين هو من أصحاب البشرة السمراء، أو ينحدر من أقلية عرقية، ونفس النسبة تنطبق تقريباً على كل لاعبي الدوري الإنكليزي. لكن منذ ذلك الحين، أصبح خمسة فقط من لاعبي منتخب إنكلترا السابقين مدربين. وهذا يدل على أن اللاعب الأبيض هو فقط من يتقدم ليصبح إداريّاً أو مدرباً، لذلك كان هناك توصية لتطبيق «قاعدة روني» في الدوري الإنكليزي، والتي تقضي بأن أيّ وظيفة يجب أن يترشح لها واحد على الأقل من أصحاب البشرة السمراء، أو الآسيويين أو من الأقليات العرقية. وفي عام 2015، أفادت دراسة بأن الأمر قد يستغرق 30 عاماً، قبل أن يمثَّل اللاعبون السمر، والأقليات العرقية بشكل عادل في وظائف التدريب، في كرة القدم الإنكليزية.
ظاهرة العنصرية مستمرّة في الملاعب الأوروبية، والأكيد أن للأمر علاقته وارتباطاته بالسياسة، والتطورات على مستوى العالم بينها الاقتصادية والاجتماعية أيضاً، كما أن الحلول لا تزال ضعيفة. اللافت هذا الموسم أن الإساءات العنصرية بدأت باكراً، وهي مرشحة للارتفاع، وربما الأمر الوحيد الذي يمكن أن يضع حدّاً لكل هذا، هو أن يتّخذ اللاعبون أصحاب الأصول الأفريقية والأميركية الجنوبية قراراً قوياً، ويقاطعوا اللعب في الملاعب الأوروبية، أو بالحدّ الأدنى في الأندية التي يتعرّضون فيها لهذه الإساءات، علّها تكون «ضربة صادمة» تعيد الأمور إلى نصابها، وتدرك من خلالها الجماهير والإدارات والاتحادات على حد سواء، أن اللاعب المهاجر هو الأصل، وهو الذي يجلب الألقاب والإنجازات.