قبل بداية الموسم الحالي في الكرة الأوروبية، كان كلّ من أندية أتلتيكو مدريد الإسباني وتوتنهام الإنكليزي محطّ أنظار المتابعين والمحلّلين والنقاد. لكن ما يحدث اليوم، يعطي الجميع فكرة عن أن الأسماء لن تصنع الأمجاد مهما تزايدت في تشكيلة النادي. قبل دوران عجلة «الليغا» الإسبانية، احتل الـ«أتلتي» صدارة التوقعات حول الأندية التي ستفوز بلقب الموسم الحالي. أسباب عدة وضعت أتلتيكو مدريد في هذا المركز، إن كان من جهة الأسماء التي يمتلكها المدرب الأرجنتيني دييغو سيميوني، أو من جهة الأفكار التي يعرف كيف ينتجها المدرب عينه. يحتل «الروخي بلانكوس» المركز الخامس بعد مرور تسع جولات على بداية الدوري الإسباني، وذلك وبفارق ثلاث نقاط عن صاحب المركز الأول النادي الكاتالوني حامل اللقب برشلونة (أتلتيكو مدريد: ١٦ نقطة. برشلونة: ١٩ نقطة). وفي الحديث عن «خيبة الأمل» التي تعرّضت لها جماهير ملعب «واندا ميتروبوليتانو»، لا بأس في وضع بعض الأسباب التي كانت مؤثرة في ما يحدث بالنادي الثاني في مدينة مدريد اليوم.


التوقعات والمعنويات المرتفعة
ليست فقط في كرة القدم، لا يمكن أن تصاب الجماهير بخيبة أمل كبيرة، إلّا إذا كانت قد وضعت نفسها في «جو» من التفاؤل والانتصارات وتغيير وضعية النادي بين ليلة وضحاها. فالكثير من الجماهير، ومن بينهم نقّاد في عالم كرة القدم، قد وضعت الـ«أتلتي» على رأس الأندية التي ستفوز بلقب الدوري الإسباني هذا الموسم. لكن عدم الانسجام والتراجع في الأداء، جعل الجماهير تعود من جديد إلى أرض الواقع، وعدم السفر في أحلام من الصعب تحقيقها بهذه السرعة التي كانت متوقعة. صحيح أن بداية برشلونة في الليغا كانت من بين الأسوأ في السنوات الماضية، لكن سرعان ما استعاد النادي الكاتالوني نجمه الأول ليونيل ميسي وتصدّر الليغا من جديد. ما يمكن أن يُقال، إن الأجواء الإيجابية وتراجع مستوى الخصم، يخلقان نوعاً من التفاؤل واللامبالاة المبالغ بهما، واللذين يؤدّيان في نهاية المطاف إلى «خيبة أمل» و«صدمة» لم يكن لأحد ليتوقعها.
لا شك في أن رحيل الثنائي الأوروغواياني دييغو غودين والبرازيلي فيليبي لويس عن الفريق قد ترك فراغاً كبيراً في أتلتيكو مدريد. فالنادي الذي اشتهر بصلابة دفاعه في إسبانيا وأوروبا، قد خسر اثنين من أطرافه الأربعة التي اشتهر بها في السنوات الماضية. لا يمكن إنكار أن ما كان المدرب الأرجنتيني دييغو سيميوني يطمح له صحيح 100%، فكلّ من لويس وغودين قد تجاوز الـ٣٤ من عمره، وهذا ما لا يحتاج إليه سيميوني، بل هو يحتاج لدماء جديدة تحسّن من سرعة الفريق وفي الوقت عينه، تحافظ على الصلابة الدفاعية التي اعتادت الجماهير على مشاهدتها. خمسة أهداف خلال ثماني مباريات، هي حصيلة خطّ دفاع مكوّن من البرازيلي الشاب الجديد رينان لودي، إضافة إلى قلبَي الدفاع ستيفان سافيتش وخوسيه خيمينيز، والظهير الأيمن الإنكليزي المميز كيران تريبير. إضافة إلى غياب هذا الثنائي المميز عن أتلتيكو، فلم تكتفِ إدارة النادي بهما فقط، فقد لاقى المدافع الفرنسي المميز لوكاس هيرنانديز المصير عينه أيضاً، بعد أن انتقل إلى النادي البافاري بايرن ميونيخ خلال فترة الانتقالات الصيفية الأخيرة. لا بدّ من تحميل المدرب سيميوني مسؤولية المغامرة بتشكيلة لا تعرف بعضها البعض كثيراً، فهو من يتّخذ القرار المناسب، ويحدّد من يريد في التشكيلة ومن لا يريده.

رحيل الثنائي الأوروغواياني دييغو غودين والبرازيلي فيليبي لويس عن الفريق ترك فراغاً كبيراً


رحيل الفرنسي أنطوان غريزمان ومجيءى البرتغالي جواو فيليكس.
بعد سنوات عدة قضاها تحت سقف ملعبي «فيسنتي كالديرون» و«واندا ميترو بوليتانو»، أعلن غريزمان أخيراً وقبل بداية الموسم الحالي رحيله عن النادي الذي أوصله إلى العالمية، نادي حياته، أتلتيكو مدريد. كما الحال في عدة أندية أوروبية كبيرة، دائماً ما يكون هناك اعتماد على لاعب، يعتبره الجميع مميزاً عن غيره من اللاعبين (ميسي في برشلونة، غريزمان في أتلتيكو مدريد سابقاً، روبرت ليفاندوفسكي في بايرن ميونيخ، كريستيانو رونالدو في ريال مدريد سابقاً...). بكل بساطة، أتلتيكو مدريد خسر هذا اللاعب المحوري في الموسم الحالي، بل افتقد لانسجامه الكبير في طريقة لعب المدرب سيميوني. فلا وجود للاعب «تكتيكي» يتماشى مع أفكار المدرب كما كان غريزمان في أتلتيكو مدريد.
على الجهة المقابلة، قدوم جواو فيليكس إلى أتلتيكو في عمر الـ١٩ سنة، وبمبلغ وصل إلى حوالى الـ120مليون يورو، يعني شيئاً واحداً فقط، أن فيليكس سيكون المنقذ الجديد لـ«أتلتي» بعد رحيل الفرنسي المميز غريزمان إلى برشلونة. لكن للأسف، ما حدث كان عكس المتوقع، فيليكس ومع مرور تسع جولات من الليغا حتى اليوم، لم يقدم الكثير بعد، بل هو من طينة اللاعبين التي تتعرض للإصابات بسهولة تامة (تعرض فيليكس لإصابتين منذ انضمامه إلى أتلتيكو مدريد).

إفلاس سيميوني؟
من دونه لما كان هناك أتلتيكو مدريد في السنوات العشر الأخيرة. مدرب، عرف كيف ينتشل «الروخي بلانكوس» من القاع، واضعاً إياه في نهائي دوري أبطال أوروبا. دييغو سيميوني، المدرب الأرجنتيني الذي أحب أتلتيكو مدريد قبل أن يصبح على رأس العارضة الفنية للـ«أتلتي». مدرب، يعرف كيف يتعامل مع جماهير فريقه، يعرف متى يشعلهم ومتى يخمد نيرانهم. بكل بساطة، نقل النادي الثاني في مدريد من جهة إلى جهة مختلفة تماماً. رفع اسم النادي في السماء، إلى جانب كلّ من برشلونة وريال مدريد. من بعد سيميوني، أصبحت أوروبا بأنديتها الكبرى تفكّر في المواجهة مع أتلتيكو مدريد أكثر من أي مباراة أخرى. لكن لكل قصة جميلة نهاية، وعلى ما يبدو، أن المدريديين أصبحوا على دراية بأفكار سيميوني التي لم تتجدد منذ تسلمه زمام الأمور في مدريد. وبالتالي الأوراق باتت مكشوفة أكثر من أي وقت أو موسم مضى. وهذا ما سيشكل عائقاً أساسياً أمام تقدم أتلتيكو مدريد في الموسم الحالي.