عند ذكر كرة القدم، لا بدّ من ذكر رونالدينيو. اللاعب البرازيلي الذي أمتع المشاهدين على مدار السنوات بسحره الكروي، سقط بين ليلةٍ وضحاها في خدع الإفلاس والسياسة، ليترك وراءه إرثاً كروياً كبيراً وكثيراً من خيبات الأمل. مشاكل قضائية محلّية وانتماءات سياسية مشبوهة، ختمها ابن بورتو أليغري بالتطبيع مع الكيان الصهيوني المحتل، فارضاً بذلك على نفسه «إفلاساً عاطفياً» بعد أن خسر محبّته في قلوب العديد من المشجعين. اليوم تحديداً، خسر رونالدينيو كل شيء.

في مبادرة رياضية استضافتها سلطات الاحتلال على الأراضي المحتلة مطلع هذا الأسبوع، توجّه عدد من أساطير كرة القدم البرازيلية إلى فلسطين المحتلة بهدف «تعزيز التعايش والسلام بين البرازيل وإسرائيل». ضم الجانب البرازيلي نخبة من أفضل اللاعبين الذين تألّقوا في أوروبا على مدار السنوات، كان أبرزهم نجم «إي سي ميلان» السابق ريكاردو كاكا، نجم برشلونة السابق ريفالدو، إضافةً إلى الأسطورة البرازيلية رونالدينيو. وقد أثارت المباراة التي جمعت قدامى لاعبي البرازيل بقدامى لاعبي «إسرائيل» غضب الجمهور العربي ومناصري القضية الفلسطينية حول العالم، على اعتبار أن قبول الدعوة يعني اعتراف هؤلاء اللاعبين بوجود الكيان «الإسرائيلي» كدولة مستقلة.
رغم الغضب من اللاعبين جميعاً، نال رونالدينيو الحيّز الأكبر من الشتائم على خلفية ما بدر منه عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فبعد أن وصل نهار الاثنين على متن طائرته للمشاركة في «مباراة السلام» التي أقيمت مساء الثلاثاء، نشر النجم البرازيلي صورة على مواقع التواصل الاجتماعي وهو في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع تعليق «شالوم» باللغة العبرية التي تعني «مرحباً» بالعربية. أثار هذا التصرف سخطاً واسعاً بين معجبيه الداعمين للقضية الفلسطينية، برزت منها انتقادات لاذعة من الجماهير العربية على وجه التحديد، التي ردّت على منشوره بنشر علم فلسطين وتعليقات مدافعة عن القضية، وسط مطالبات حثيثة بتقديم اعتذار إلى الشعب الفلسطيني، والعرب والمسلمين بشكل عام.
كلّما تطرّأ الأمر لفلسطين المحتلة، انقسم لاعبو كرة القدم إلى معسكرَين. منهم من يذهب باتّجاه التطبيع، طوعاً أو التزاماً بعقد رعاية على سبيل المثال، في حين يرفض آخرون التخلّي عن المبادئ والقيم الإنسانية والاعتراف بكيان الاحتلال، تماشياً مع الأهداف الأساسية للرياضة التي تدعو إلى العيش في سلامٍ وحرية وعدم الاعتداء على الآخرين وسلبهم حقوقهم. مع توالي السنوات، تعزّز الارتباط بين القضية الفلسطينية وكرة القدم، حتى وصل الأمر ببعض الدول غير العربية إلى تسمية فرقها «باليستينو»، كما الحال لأحد الفرق التشيلية. ولا ينسى أحد الأعلام الفلسطينية التي يرفعها جمهور نادي سيلتيك الاسكتلندي كلّ أسبوع دعماً لفلسطين.
لم تكن دعوة الكيان الصهيوني للاعبين البرازيليين مفاجئة، إذ أنها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها الكيان الغاصب إلى شخصيات رياضية لتلميع صورته، والتقليل من أثر الانتهاكات اليومية التي يقوم بها بحق الشعب الفلسطيني. ما كان غريباً، هو تلبية هؤلاء اللاعبين للدعوة وعدم الانحياز للجانب الفلسطيني، كما فعل الظاهرة البرازيلية رونالدو عام 2005 على سبيل المثال لا الحصر.
هي ليست المرة الأولى التي يتبنّى فيها رونالدينيو أفكاراً سياسية مشبوهة، إذ سبق له أن التحف بعباءة اليمين المتطرف مطلع العام الفائت، بعد انتخابه جايير بولسونارو رئيساً للبلاد. أظهر رونالدينيو حينها دعمه الكامل للرئيس الجديد عبر نشره على مواقع التواصل الاجتماعي صورة يرتدي خلالها قميص البرازيل برقم 17، الذي يرمز إلى رقم ترشيح الرئيس الدكتاتوري واليميني المتطرف. يحظى بولسونارو بدعم كبير من اليمين، والجماعات التي تكره المهاجرين، وهو ما يبرّر ربما تأييده من لاعبين برازيليين ينتمون إلى اليمين، مثل كاكا، الذي أعلن دعمه لليمين المتطرف بعد الفوز بكأس العالم عام 2022، إضافةً إلى فيليبي ميلو الذي أهدى بولسونارو هدفاً سجّله في شباك باهي. ما هو غير منطقي، دعم رونالدينيو للمرشّح اليميني المتطرف، الذي يشتهر في الوسط السياسي بـ«احتقاره» الشديد للفقراء والمهاجرين. أثار تأييد رونالدينيو سخط العديد من الجهات، كان أبرزها أسطورة كرة القدم البرازيلية جونينيو الذي قال: «لقد جئنا من الأسفل، لقد نشأنا مع الجماهير، كيف يمكنكم دعم بولسونارو؟!» في حين استنكرت إدارة نادي برشلونة تصرفات سفيرها البرازيلي رونالدينيو، وصرحت عبر المتحدث الرسمي باسم النادي الكاتالوني جوسيب بيبيس أنها تؤيّد حرية التعبير، غير أنّ «قيم النادي الديمقراطية لا تتّفق مع كلمات هذا المرشح».
هكذا، خسر رونالدينيو جزءاً كبيراً من قاعدته الجماهيرية حول العالم، مضيفاً بذلك خسارة جديدة إلى دفاتره السوداء، التي انكشفت بعد إشهاره الإفلاس مطلع العام الماضي. المشاكل القضائية الكبيرة التي عانى منها اللاعب البرازيلي أخيراً، لعبت ربما دوراً في ذهابه تحت عباءة بولسونارو خوفاً من السقوط إلى الهاوية، في حين استغلّ بولسونارو شعبية أفضل لاعب في العالم لعام 2005 في سبيل الوصول إلى كرسي الحكم.
ففي العام الماضي، مُنع رونالدينيو من السفر بسبب تراكم المستحقات المالية التي عجز عن سدادها بعد إفلاسه. بحسب ما كشفته صحيفة «فولها دي ساو باولو» البرازيلية، ويدين النجم البرازيلي للحكومة بقرابة 2.5 مليون دولار بسبب غرامات بيئية بعد بنائه رصيفاً غير شرعي أمام منزله المطلّ على بحيرة في بورتو أليغري. بناءً على ذلك، تمّ سحب جواز سفر رونالدينيو حتى حلّ النزاعات القضائية، التي زادت قضيةً جديدةً في الأسابيع الماضية بعد تورّطه في شركة نصب واحتيال، إذ ذكرت صحيفة «ماركا» الإسبانية مثول نجم برشلونة السابق أمام مجلس النواب في البرازيل، للإدلاء بشهادته حول ترويجه لشركة متّهمة بخداع المواطنين والنصب عبر «التسويق الهرمي».
إذاً بعد دعم اليمين المتطرف، جاء رونالدينيو ومعه نجوم البرازيل إلى الأراضي المحتلة لدعم الكيان الصهيوني. هي سياسة تلجأ إليها حكومة الاحتلال لتلميع صورتها، وأسلوب ينتهجه بعض النجوم للكسب المادي، والحصول على دعم سياسي وإعلامي، ولكن في النهاية هو تصرّف يجعل اللاعبين يخسرون على المدى البعيد شعبياً ورياضياً، لأنهم يتنكّرون بذلك لجميع المبادئ التي عملوا من أجلها لسنوات وسنوات.