تعيش أوروبا اليوم أزمة مدرّبين، والدليل على ذلك هو عدد المدربين الذين تمت إقالتهم منذ بداية الموسم الجاري في مختلف الدوريات الأوروبية. عدد قليل من المدربين صمد لفترات طويلة، بين هؤلاء هناك بيب غوارديولا ويورغن كلوب، وهناك اسم كبير آخر لا تسلّط عليه الأضواء كثيراً هو دييغو سيميوني، مدرب نادي أتليتيكو مدريد الإسباني، والذي يبتدع الحلول موسماً بعد آخر.

سقوط برشلونة في الجولة الأخيرة من الـ«ليغا» الإسبانية، إضافة إلى خساراته وتعثراته المتكررة التي تعرّض لها خلال المواسم القليلة الماضية لم تكن محض صدفة. تعثرات وتعادلات، لم تعصف بالعملاق الكاتالوني فحسب، بل طالت النادي الأكبر في إسبانيا تاريخياً على صعيد الألقاب المحلية والقارية، أي ريال مدريد. في السنوات الماضية، وتحديداً منذ 2013 وحتى اليوم، دخل فريق إسباني ثالث على الخط وهو أتليتيكو مدريد مع المدرب دييغو سيميوني، وزاحم الغريمَين التقليديين على لقب الليغا، بل فرض نفسه منافساً على دوري الأبطال أيضاً.
ما قدّمه المدرب الأرجنتيني في السنوات الماضية، أو ما صنعه، زاد من عزيمة الأندية الإسبانية الأخرى، ووضع في مخيّلتها فكرة، لم تكن هذه الأندية لتفكّر يوماً أن تجرؤ حتى على أن تحلم بها. «التشولو» كما يلقب في مدريد، قدّم للعالم نادياً إسبانياً يقارع كلّاً من برشلونة وريال مدريد في الليغا، وينافس كبار القارة الأوروبية في دوري الأبطال. فأصبح الجميع من أندية محلية وأوروبية، يخشى الـ«أتلتي»، وهذا ما فرضه المدرب سيميوني، وهو لا يزال يطبّقه حتى هذا اليوم.
منذ أن كان بيب غوارديولا على رأس الجهاز الفني للـ«بلاوغرانا»، وتحديداً في 2011، كانت الأندية الإسبانية والأوروبية تخشى النادي الكاتالوني كثيراً، وهذا ما فرضته أفكار «الفيلسوف» بيب، وأكّد عليه لاعبو برشلونة في تلك الفترة. نتائج كبيرة، خماسيات وسداسيات وحتى سباعيات، أهداف كثيرة، وخسائر مذلّة تعرّضت لها الأندية الإسبانية في كل أسبوع من «الليغا». ولريال مدريد نصيب من ذلك، فلا يمكن نسيان خماسية الكامب نو التاريخية، وسداسية ملعب «الميرينغي» سانتياغو بيرنابيو. بعد رحيل بيب غوارديولا عن البارسا، انخفض معدّل هذه النتائج، وبات النادي الكاتالوني يجد صعوبة واضحة في تخطّي الأندية التي تلعب على أرضها (خارج الكامب نو). وما زاد الأمور تعقيداً بالنسبة لزملاء الأرجنتيني ليو ميسي، هو قدوم المدرب سيميوني، المدرب الذي كسر «هاجس الخوف» بينه وبين برشلونة وريال مدريد، وبين أندية الليغا الصغيرة والمتواضعة وبين الثنائي المسيطر. وكأن به يقول: «يمكننا هزيمة هذا الوحش».

وقف سيميوني بوجه ريال مدريد وبرشلونة وكسر سطوتهما


سيميوني، ومنذ بداية مسيرته مع أتليتيكو مدريد وحتى هذه اللحظة، لم يبرم صفقات من العيار الثقيل، ولم يدفع مبالغ «خيالية»، باستثناء ما صرفه على الثنائي الفرنسي والبرتغالي توماس ليمار وجواو فيليكس. سيميوني، كان «فلاّحاً» في إسبانيا، وقف في وجه الحيتان الكبرى، حيتان الليغا المسيطرة عليها لسنوات طويلة، وأصحاب الخزائن المالية الكبيرة. وقف أمامها وتحدّاها، وتمكّن من تحقيق «انتفاضة» في مسار «الليغا». المدرب الأرجنتيني كان حِرفياً أيضاً، فهو من صنع لاعبيه، من بنى شخصيتهم، ومن أعطاهم الثقة الكاملة وفي سن صغير. الحديث هنا عن ساؤول نيغيز، كوكي، دييغو غودين، خوسيه خيمينيز، لوكاس هيرنانديز، توماس بارتي، رودري، أنطوان غريزمان، يان أوبلاك، فيليبي لويس وخوان فران، وغيرهم الكثير من اللاعبين الذين صنعهم سيميوني، وهم الذين تربوا على يديه. هذا الحرفي الماهر واجه أموال الثنائي الإسباني الكثيرة، الفريقان اللذان ومع بداية كل موسم، يستمتعان بما يقومان به، يصرفان الأموال الطائلة على «كتيبة» من اللاعبين الجدد، منهم من اشتهر بهذه الطريقة، ومنهم من استغنى عن مبادئه ليركب مع الركّاب المنتشين بالصورة الجديدة لكرة القدم، الرأسمالية منها.
لا يمكن تجاهل أن ما قدّمه سيميوني في «الليغا» كان بمثابة ثورة، أعادت الثقة التي افتقدتها الأندية الإسبانية الأخرى في السنوات الماضية. في السابق، ريال بيتيس كان يدخل المباراة مهزوماً، كذلك الأمر بالنسبة لأندية أخرى كليفانتي، إشبيلية، فالنسيا، خيتافي، إيبار وغيرها الكثير. اليوم، ليفانتي يهزم برشلونة، وريال بيتيس بات نداً لريال مدريد وفي معقله السانتياغو. «ظاهرة» الأتلتي أعطت الأندية الإسبانية الأخرى الثقة، وهذه الأخيرة هي التي أدّت إلى التطوّر في الأداء، والتطوّر في العتاد أيضاً.
هي انتفاضة الأندية المتوسطة والصغيرة على كبار الدوري الإسباني، الدوري الذي وصف في كثير من فتراته بدوري «توم وجيري»، أي دوري الثنائي الكاتالوني والمدريدي. سيميوني، وبغض النظر على انفعالاته وتصرفاته العفوية وغير العفوية منها، فإنه يبقى مدرباً «شعبوياً»، أيقظ الطبقة الدنيا، وأعاد «الليغا» من جديد، لتصبح واحدةً من بين أهم وأمتع الدوريات الأوروبية مرّة أخرى.