تتخذ اللجنة التنفيذية للاتحاد اللبناني لكرة القدم اليوم قرارها النهائي بشأن الآلية التي ستعتمد لاستكمال الموسم الكروي في مختلف الدرجات. الجميع ينتظر هذا القرار، من أندية ولاعبين وجماهير، بعد الاجتماعات التي عُقدت خلال الأسابيع الماضية. قرار اليوم سيؤثر في كرة القدم لسنوات مقبلة. الواقع صعب والمستقبل غير واضح، ولكن ما هو شبه مؤكد أن الخسارة الأكبر ستكون للاعبين والجماهير.

74 يوماً مرّت على أولى المباريات المؤجلة من بطولة لبنان الـ60 بكرة القدم. اليوم يتخذ اتحاد اللعبة قراره النهائي بشأن مصير الدوريات الأربعة. يأتي القرار المرتقب بعد محادثاتٍ عديدة بين الاتحاد والأندية، واجتماعٍ أخير، في جلسة الجمعية العمومية غير العادية، التي أقيمت يوم الجمعة الماضي. بعض الأندية طالب بإلغاء البطولة، وبعضها الآخر وجد في خوض دوري من مرحلة واحدة من دون هبوط الحل الأفضل، فيما تشبّثت خمسة أندية (صارت أربعة لاحقاً)، بضرورة وجود نظام لتحديد الهابطين، ومرّبع ذهبي لتحديد البطل. اتحاد اللعبة، من المفترض، أنه يريد الخروج بحلٍّ يُرضي الأندية، ويتفهّم وضعها. وهذا الوضع، من المفترض أيضاً، أنه ماليٌّ بحت، يتعلّق بالأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وقلة وجود سيولة مالية لتأمين رواتب اللاعبين بشكلٍ عام. إلا أن الأندية لم تطرح هذه المشكلة أساساً في الجلسة الأخيرة، بل تطرّقت إلى مشكلةٍ أمنيةٍ، بدت أنها مضخّمة. ولفهم ما تريده الأندية، وجَب العودة إلى اجتماع الجمعة الماضي.
الاتحاد وجد الحل في خطةٍ إنقاذيةٍ من العراق. هناك، الأوضاع الأمنية أسوأ بمراحل عمّا هو عليه الحال في لبنان، فاقترح اتحادهم الكروي أن تكون مشاركة الأندية اختيارية. رئيس حكومة العراق المستقيل استعار بعضاً ممّا قاله رئيس حكومتنا المستقيل في خطابه إلى الشعب. واحدة بواحدة؛ لكم خطابٌ «فاشل» ولنا خطةٌ إنقاذيةٌ «فاشلة»! يقول البعض.

اعتبر البعض أن من الأفضل اعتماد «النموذج السوري» بدلاً من النموذج العراقي


وبما أن المجتمع هنا بات يميل الى التقليد، عكس طبيعته الأساسية، التي تُفيد بنقل الخبرات اللبنانية إلى البلاد العربية، فلماذا لا يتم تقليد نموذج ناجح على الأقل، أو شبه ناجح، شيئاً من سوريا بدلاً من العراق مثلاً. هناك حيث لم يُلغَ الدوري، كما يريد البعض في لبنان، إلا في سنةٍ واحدة، وهي السنة الأولى من الحرب. عُدّلت الأنظمة من بعدها بطبيعة الحال، لكن الفرق الـ15 شاركت ضمن مجموعتين، قبل تحديد البطل من مجموعةٍ جديدة، وتحديد الهابطين من مجموعةٍ أخرى. البطل، لعب 17 مباراة قبل تتويجه، وفي الدوري اللبناني، ثمة من يريد أن يحدد بطل الموسم من 10 مباريات، وأي مباريات هذه التي سيلعبها، مع فرقٍ تريد أن تضمن البقاء مهما كانت النتائج.
عموماً، يجب العودة إلى الجلسة غير العادية. هناك لكل نادٍ رأي. هذا أمرٌ جيّد. لأحدهم «رأيٌ» غريب. يقول: «نكلّمهم عن الدوري فيكلموننا عن الحقوق». يقصد حقوق اللاعبين، هؤلاء الذين يعيشون من اللعبة، ومن دونها، عليهم أن يتدبّروا أمر عائلاتهم حتى الصيف المقبل. ما أوقحهم (اللاعبون) كيف يطالبون بحقوقهم؟ من قال لكم إن هذا بلد الحقوق والحريات؟ ألم تتعلموا شيئاً من هذا الحراك، أو الانتفاضة أو الثورة أو أي كان اسمها؟ ألم تفهموا أن الحقوق لا تُعطى؟ الحقوق تُؤخذ، بالقوّة.
هذا ممثلٌ عن نادٍ آخر، بل أكثر، هو، كما يتحدّث، يمثّل أندية البقاع. يقول إن اجتماعاً دُعيت إليه أندية البقاع يسبق الجلسة العمومية، لكن لم يحضر أحد، بسبب «الأوضاع الأمنية». اليوم الذي سبق الجلسة، كان الخميس 26 كانون الأول. طوال الأسبوع الماضي، هل سمع أحدٌ عن قطع طريقٍ في البقاع، بل في لبنان كلّه؟ محرومٌ هذا البقاع يعلق أحد المتابعين، حتى من الرياضة، التي لم تُخرّج من كرة القدم سوى ناد واحد إلى الدرجة الأولى، سرعان ما هبط بسبب الأوضاع المالية، وهذه الأوضاع، هي تحديداً، ما يدعو الأندية إلى طلب إلغاء الدوري.
من البقاع أيضاً ممثلٌ عن أحد الأندية يقول: «الرياضة حياة»، ثم يتوجّه إلى أعضاء اللجنة التنفيذية في الاتحاد ليقول إن ناديه مع أي قرار يصدر عن اللجنة، سواءً كان استكمال الدوري أم إلغاءه. بمعنى آخر، إذا أُلغيَ الدوري، تُلغى الرياضة، فتموت الحياة، لكنه لم يقصدها بهذه الطريقة ربما، بل كانت مجرّد مقدّمة تطول الخُطبة فيها.
لكن في وسط الظلمة ثمة نور. هذه الأندية، من الدرجتين الثالثة والرابعة، تطالب بإلغاء الدوري حتى «تتهرّب» من الأعباء المالية، فيما ممثّل نادي الريان، الذي يشارك في الدرجة الرابعة، وسبق له أن لعب في الدرجة الأولى، يطالب باستكمال الدوري. أليس وضع هذا النادي كوضع سائر الأندية في الدرجة التي يشارك فيها؟ أم أن ناديه لا يمرّ بالظروف المالية والأمنية عينها مثلاً؟ يتساءل متابعون.

(عدنان الحاج علي)

اللافت خلال جلسة الجمعية العمومية، أن أحداً من المطالبين بإلغاء الدوري لم يتكلّم عن مشكلة مالية يعاني منها ناديه. لم يقل ممثّلٌ عن نادٍ ما، أو عن مجموعة أندية، إن إدارته غير قادرة على تأمين السيولة المالية لتأمين رواتب اللاعبين وتكلفة المواصلات، (أقله خلال القسم الأول من الجلسة). لم يشرح أحد منهم عن مشكلة مع هذا المصرف أو ذاك. وهذا يعني بحسب ما يعلق البعض، أنه إما لا مشكلة لديهم على هذا الصعيد، وأن أموالهم خارج المصارف، أو أنهم يتهرّبون من طرح هذا الموضوع لتمرير موقفهم بحجةّ الوضع الأمني.
هذه الأندية بالمناسبة، التي تشارك في جميع الدرجات الثلاث الأدنى، تلعب مبارياتها، غالباً، من دون حضور عنصرٍ أمنيٍّ واحدٍ في الملعب أو حوله. لكن الصراحة تقتضي القول إنه ثمّة تخوّفاً على سلامة اللاعبين من قطع الطرقات، على الرغم من أن هذا الأمر لم يعد يحصل، إلا نادراً. لكن الخوف على سلامة اللاعبين لا يزال موجوداً لدى إداريي هذه الأندية، أكثر من أندية العاصمة التي تشارك في الدرجة الأولى، والتي، بلسان أحد الإداريين الذي تحدث أمام الحاضرين في اجتماع الجلسة العمومية، تعيش من لاعبي المناطق. إذاً، إما أن إداريي أندية العاصمة لا تهمهم حياة اللاعبين الذين يتّجهون من المناطق إلى بيروت، يومياً، لخوض التمارين، ويرتحلون مع الفريق لخوض المباريات، أو أنهم، أدركوا فعلاً، أن الحال اليوم يختلف عن الأسابيع الأولى لبداية الحراك.
لا بأس بالاعتراف بأن الأندية لا تريد استكمال الموسم حتّى تتجنّب دفع المصاريف. اللاعبون يفهمون هذا الأمر، والجمهور يدركه أيضاً. موسمٌ تلو الآخر يتراجع المستوى العام للأندية، ليس فنياً فحسب، بل إدارياً أيضاً. البطولة ستُلعب، كيفما كان نظامها، لكنّ اللاعبين لن ينسوا، أن الإداريين أداروا ظهورهم في وجههم. الجمهور لن ينسى أيضاً، أن بعض الأندية طالب بإلغاء الموسم كلّه؛ هذه الأندية التي صارت تفقد المشجعين سنةً تلو الأخرى، وبتصرّف كهذا، ليس هناك من داعٍ للسؤال عن السبب الذي يغيّب الجمهور عن دعم الأندية بالحضور على مدرجات الملاعب.