كان باستيان شفاينشتايغر لمّا يبلغ الـ18 من عمره حين تعرّف اليه المتابعون خلال مباراة بايرن ميونيخ الألماني أمام لنس الفرنسي في دور المجموعات لدوري أبطال أوروبا موسم 2002-2003. مذ ذاك التاريخ راح المدرب القدير، أوتمار هيتسفيلد، يعطي شفاينشتايغر دوراً اكبر في التشكيلة البافارية، ويقحمه في مباريات كان يقف فيها أمام عمالقة ذلك الزمن.


بدأ مستوى باستيان يتطور أكثر فأكثر متسلحاً بحماسة قل نظيرها للاعب ألماني في ذلك الحين في البلاد الخارجة لتوّها من كبوات وكبوات، والمودعة لأجيال من اللاعبين الكبار، ورويداً رويداً بدأ وجه هذا الشاب يصبح أكثر تحبباً إلى قلوب عشاق البافاري. بدأ الجميع في مقاطعة بافاريا يعتاد حضور شفاينشتايغر، وأولئك الأنصار البعيدون عنها بأميال وأميال في شتى بقاع العالم يعتادون لفظ اسم شهرته (الصعب على النطق) بطلاقة.
بسرعة قياسية «اشتد عود» شفاينشتايغر وبدأ اسمه يكبر ليس في ميونيخ وألمانيا فحسب، بل في كل أوروبا، ومعها تحوّل باستيان الى «باستي» وشفاينشتايغر الى «شفايني»، هكذا أحبّت الصحف والجماهير البافارية أن «تدلل» فتاها الصغير القادم بقوة الى عالم النجومية.
عام 2006 بدأ دور شفاينشتايغر يأخذ منحى أكثر زخماً وحضوراً في بايرن ميونيخ، وتحديداً بعد بطولة كأس العالم في ألمانيا عام 2006 ورحيل النجم الاول للبلاد وبايرن، ميكايل بالاك، الى تشلسي الانكليزي. بدأ النضج يتضح على أداء «شفايني»، الى أن جاءت بطولة كأس أوروبا عام 2008 في سويسرا والنمسا، والتي لمع فيها نجم باستيان. الا أن نقطة التحوّل الرئيسية في مسيرة «باستي» كانت عام 2009 حينما تسلّم الهولندي لويس فان غال تدريب بايرن حيث قام بتغيير مركزه من الجناح الايمن الى لاعب ارتكاز مع قدوم الهولندي أريين روبن الى الفريق. كان هذا التغيير إيذاناً ببدء مرحلة جديدة في مسيرة شفاينشتايغر، مرحلة القائد. فمذ ذاك بتنا أمام باستيان صاحب الدور القيادي في وسط الملعب، باستيان المقاتل الذي يهابه كل لاعبي الوسط، باستيان صاحب التسديدات الصاروخية التي لا تخطئ هدفها، باستيان المموّل بالكرات الرائعة لرفاقه، باستيان «ملك الوسط»، باستيان النجم الذي أذاب قلوب عشاق البافاري وخفقت قلوب عشاق خصومهم عندما كانت تربطه هذه الصحيفة أو تلك (وما أكثرها في تلك الفترة) بالانتقال الى فرقهم، وضرب مدرّبو هذه الأخيرة كفاً بكف لفشل صفقته، باستيان «القلب النابض» لبايرن والذي لعب دوراً مركزياً ولافتاً في تتويج البافاري بلقب دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي، باستيان رمز بايرن الذي تحضر صورته سريعاً عند ذكر اسم هذا الفريق.
قلنا الرمز؟ هذا هو الوصف الأمثل لشفاينشتايغر في بايرن ميونيخ الآن، ولا خلاف على ذلك للاعب رفض كل العروض المغرية لخلع قميص هذا الأخير وضرب بها جميعاً عرض الحائط.
وعندما نقول رمز، تصبح إصابة هذا الرمز وابتعاده عن الأحداث أمراً غير عادي. هذا ما حصل بالضبط هذا الموسم، إذ لم يكد شفاينشتايغر يخرج من عملية جراحية خضع لها في مطلع الموسم، إلا كانت الثانية بانتظاره مع العطلة الشتوية تقريباً، ليحتل القلق على مسيرة هذا النجم وعودته أفكار أنصار بايرن ميونيخ، خصوصاً أن هذا التطور السلبي تزامن مع تسلّم الاسباني جوسيب غوارديولا تدريب الفريق الأحمر وتبديله الخططي بإقحام فيليب لام في مركز الارتكاز، ومع إثبات القادم الاسباني الآخر، تياغو ألكانتارا، كفاءته ونجوميته في وسط الملعب في الشقين الدفاعي والهجومي والتطور اللافت لمستوى طوني كروس.
هكذا، كان التلهف كبيراً لعودة شفاينشتايغر قبل فترة وجيزة. رؤية شفايني وحدها في الميدان تدخل السرور الى قلوب أنصار بايرن، لكن هؤلاء كانوا ينتظرون من نجمهم، قبلاً، أن يدخل الطمأنينة اليهم بمستواه.
بعد أيام على عودته، كيف يمكن وصف شفايني؟ ببساطة، عاد القائد أقوى مما كان، عاد «ملك الوسط» أكثر حماسة وإنتاجية عمّا قبل: هدف من ركلة حرة رائعة وتمريرة هدف للكرواتي ماريو ماندزوكيتش في المباراة الأخيرة امام باير ليفركوزن، وقبلها هدف في مرمى أرسنال الانكليزي في دوري ابطال اوروبا، وأدوار دفاعية وهجومية لا يبرع فيها الا قلة سواه.
كأن باستيان، بعودته القوية، ولد من جديد في الملاعب، وفي التوقيت المناسب، أما نداؤه فلم يتغيّر، ولا يزال واحداً: عطائي، حماستي، تألّقي، وفائي... لك أبداً يا بافاري.