قد تكون صدفة، لكنها بالتأكيد مفارقة ان يبرز اللاعبون القدامى الذين شغلوا مراكز خط الوسط او الدفاع على حساب زملائهم المهاجمين خلال ممارستهم مهنة التدريب. وهذه المسألة قد تكون لها تفسيراتها الخاصة، بدايةً من اعتياد لاعبي الدفاع، على سبيل المثال، على رؤية الملعب كلّه وقراءة تحركات الكل وهو امر ساعدهم كثيراً في مرحلةٍ لاحقة عندما تحوّلوا الى التدريب.


أضف، ان الروح القيادية التي يتمتع بها لاعبو الوسط الذين ترتدي غالبيتهم شارة القيادة في الفرق التي دافعوا عن الوانها قد تكون ضمنت لهم سلطةً مطلوبة على ارض الملعب في اشرافهم على نجومٍ اصحاب شخصيات مختلفة.
وطبعاً لا نجزم بأن المدافعين ولاعبي الوسط هم دائماً افضل من حراس المرمى او المهاجمين خلال عملهم كمدربين، اذ ان تجارب عدة اثبتت العكس. لكن هنا يأتي القول انطلاقاً من متطلبات كرة القدم الحديثة حيث قوة الشخصية مطلوبة، وهي مسألة يتمتع بها مدربون يلمعون في عالم الكرة، وهم سبق لهم ان نشطوا في الخطوط الخلفية لفرقهم وينقلون الآن تجربتهم الى لاعبيهم محاولين ضخ نقاط قوة شخصيتهم في نفوس هؤلاء اللاعبين.
ويمكن اتخاذ بعض العيّنات حول هذا الامر من اسبانيا، وتحديداً في مدريد حيث لمع نجم الارجنتيني دييغو سيميوني مع أتلتيكو فوضعه على رأس ترتيب «الليغا» وبين الاربعة الكبار في مسابقة دوري ابطال اوروبا. وعلى الساحة القارية، وبعد اطاحة «لوس روخيبلانكوس» ببرشلونة من الدور ربع النهائي، كان القاسم المشترك في كلام كل المحللين عن قوة الشخصية التي تمتع بها لاعبو فريق العاصمة والروح القتالية الاستثنائية التي طبعت أداءهم. وهذه النقطة فيها الكثير من الصحة، ولا شك في انها تنقل صورة منسوخة عن طريقة اللعب التي عُرف من خلالها سيميوني لاعباً مقاتلاً من الطراز النادر في مركز الوسط – المدافع مع منتخب الارجنتين ولاتسيو الايطالي تحديداً. لذا ليس غريباً ان يتحول لاعبون مثل كوكي والبرتغالي تياغو منديش والتركي اردا توران الى وحوشٍ كاسرة في وسط الملعب ويفعلوا العجائب كما يحصل هذا الموسم.

غوارديولا
ومورينيو وسيميوني وكونتي كانوا
لاعبي وسط

ودائماً في العاصمة الاسبانية، يحكى كثيراً عن مدى تأثير الايطالي كارلو أنشيلوتي ومساعده الفرنسي زين الدين زيدان على لاعبي الوسط في ريال مدريد عبر تطويرهم بشكلٍ سريع وجعلهم خلاّقين على غرار ما كان عليه الامر عندما استعرض الاثنان مهارات استثنائية ايام كانا لاعبَين. اما النتيجة فهي فريقٌ قوي يتمتع بحلول كثيرة، إذ يبدو واضحاً ان ثقل الريال في وسطه، الذي يعتمد عليه بشكلٍ اكبر من اعتماده على المهاجمين.
عيّنة اخرى خرجت من اسبانيا لتترك بصماتٍ مدهشة في عالم التدريب. وهنا الحديث عن جوسيب غوارديولا الذي يعكس اسلوب اللمسة الجميلة الذي ميّزه لاعباً في خط وسط برشلونة، من خلال تحويله اي مجموعة يدربها الى فريقٍ جذاب. الذكاء الذي ميّز «بيب» كأحد لاعبي الوسط المميزين تحوّل سلاحاً بيده للمعان عندما تحوّل مدرباً، فهو قدّم نفسه كأحد افضل مدربي العالم منذ تسلّمه منصباً في «البرسا» ومن دون ان تكون لديه خبرة واسعة سابقاً.
اما المنافس المباشر لغوارديولا على لقب الافضل، فهو بنظر الكثيرين البرتغالي جوزيه مورينيو، الذي لم يكن لاعباً شهيراً مثل «بيب»، لكنه قادمٌ من خلفية مشابهة وهي تتمثل بشغله مركزاً في خط الوسط خلال مسيرته القصيرة والمتواضعة، ما جعله صاحب قراءة رهيبة للمباريات ومدركاً للتحركات الصحيحة والخاطئة لأي لاعبٍ موجودٍ على ارض الملعب.
وتطول اللائحة لتصل الى ايطاليا إذ عاد الكابتن انطونيو كونتي ليذكّر بقدراته القيادية في خط وسط يوفنتوس عبر ترجمته هذا الامر مدرباً لامعاً يتجه الى ان يكون احد العظماء في ايطاليا. كذلك، فعلها لوران بلان مع باريس سان جيرمان في فرنسا، وكما كان «بريزيدان» في خط الدفاع يتجه ليحكم فرنسا التي يدرّب منتخبها قائداً سابقاً للوسط هو ديدييه ديشان صاحب الفكر العالي ايضاً.
قد يعتقد البعض ان ما ذكر يحصر مسألة البراعة في التدريب بالمدافعين او لاعبي الوسط السابقين، لكن ما يلفت ان نجوماً سحروا العالم بلوحاتهم التهديفية ظهروا بقدرات تدريبية خجولة بعد اعتزالهم، وربما قد يكون «الاسطورة» الارجنتيني دييغو أرماندو مارادونا المثال الصارخ والاوضح حول هذه النقطة، اذ ان عبقريته اللامحدودة على ارض الملعب تحوّلت جنوناً وتهوراً عندما وقف على الخط ليشرف على تدريب منتخب الارجنتين وغيره من الفرق التي لقي فشلاً ذريعاً معها.



يمكنكم متابعة شربل كريم عبر تويتر | @charbel_krayem




سيدورف الشيء الكبير القادم

يردد كثيرون في ايطاليا بأن قرار ميلان بإسناد مهمة التدريب الى كلارنس سيدورف عديم الخبرة على هذا الصعيد، يأتي لناحية ادراك الادارة منذ زمنٍ بعيد أن الهولندي سيسير على خطى مواطنيه المدربين العظماء ليكون الشيء الكبير الآتي على الساحة التدريبية، وذلك بفعل سرعة البديهة التي تميّز بها لاعباً في خط الوسط.