لم تعد ألمانيا مرشحة فوق العادة لإحراز لقب كأس العالم 2014 على غرار ما كان عليه الأمر عشية انطلاق البطولة في البرازيل. الصورة السيئة التي ظهر عليها «المانشافت» أمام الجزائر حوّلت التفاؤل الكبير في بلاد الألمان الى تشاؤم واسع النطاق، إذ لم يستوعب أحدٌ أن يُحرَج رجال المدرب يواكيم لوف أمام المنتخب الجزائري، رغم أنه كان يفترض بالمتابعين أن يدققوا بشدة في هذه النقطة، إذ يبدو جليّاً أن كل المنتخبات التي تأهلت الى دور الـ 16 لم تكن جسر عبور. وهذا الأمر ثبت في معاناة البرازيل أمام تشيلي، وهولندا أمام المكسيك، وفرنسا أمام نيجيريا، وحتى مباراة كوستاريكا واليونان ذهبت الى التمديد.


عموماً، الإحراج الذي أصاب ألمانيا أمام الجزائر كان صنيعة أيدي المنتخب المذكور نفسه، وكذلك سقوط أفكار مدربه يواكيم لوف، الذي وبشكلٍ مفاجئ وصادم يكرّر الأخطاء نفسها على صعيد الخيارات الفنية، رغم الفشل الذريع الذي أصابه في هذا المجال.
وإذ يتفق كثيرون على أن أسلوب لعب الجزائر غير المقروء بسبب العشوائية في مكانٍ ما، والفدائية التي واجه بها «محاربو الصحراء» خصومهم، كان سبباً رئيسياً في ظهور ألمانيا بهذا الوجه السيئ، فإن لوف ولاعبيه تسببوا بتشويه أنفسهم قبل أن يقوم أحدٌ آخر بفعل هذا الأمر.
البداية عند لوف، الذي قيل كثيراً منذ تسلّمه المنتخب بأنه مخطّط جيّد، لكنه الأسوأ في قراءة المباريات. وهذه النقطة ثبتت في المونديال الحالي من خلال خياراته الأساسية، ثم من خلال التبديلات. وبالتأكيد، بات الكل يعلم أن ألمانيا تعاني من مشكلة في الظهيرين الأيمن والأيسر، وخصوصاً عند وجود شكودران مصطفي (أصيب وانتهى المونديال بالنسبة إليه) وبينيديكت هوفيديس (لاعب قلب دفاع أصلاً)، إذ لا يعقل أن يلعب منتخبٌ من دون ظهيرين مهاجمَين بحيث لا يلعب أي منهما أي كرة عرضية طوال فترة المباراة.


لوف مخطط
جيّد، لكنه يسيء قراءة المباريات
وهذه المعضلة تحملنا الى خط الوسط حيث يتمركز فيليب لام، المفترض أن يكون على الجهة اليمنى كظهير، وهو الذي أشعل الميمنة عندما خرج مصطفي مصاباً، ليعود الكابتن الألماني الى مكانه الطبيعي. صحيح أن لوف حلّ جزءاً من مشكلته في الوسط مع عودة باستيان شفاينشتايغر، فوضع سامي خضيرة خارجاً لعدم جهوزيته، إلا أن تأثره وإعجابه بمدرب بايرن ميونيخ الإسباني جوسيب غوارديولا جعله ينحرف عن المسار الذي هندسه سابقاً وقدّم من خلاله الألمان كرة جذابة، إذ باختصار لام لا يفيد في الوسط ويخسره الرواق الأيمن بشكلٍ جازم.
ويبقى خط الدفاع مصدر متاعب، إذ بغياب ماتس هاملس ظهر سوء التواصل بين الثنائي بير ميرتساكر وجيروم بواتنغ، حيث بات مؤكداً أن «القيصر» الجديد هو من ينظّم خط الظهر، ومع ابتعاده يصبح الحارس مانويل نوير هو المدافع الأقوى و«الليبيرو» الذي ذكّرنا أمام الجزائر بأيام قائد المنتخب الفائز بمونديال 1990 لوثار ماتيوس، حيث لمس الكرة 21 مرة خارج منطقته، ما يشير الى الدور الذي قام به عبر تنظيف المنطقة من الكرات الطائشة التي سقطت خلف ثنائي الدفاع.
إصرار لوف على خياراته مضحك ومبك في آنٍ معاً بالنسبة الى الجماهير الألمانية، إذ من غير المقبول ألا يكون قد رأى البطء الشديد في أداء مسعود أوزيل، فالأخير الذي كان منتخب ألمانيا معه الأسرع في الهجمات المرتدة، بات سلحفاة في هذا المجال. والأسوأ أن أوزيل لا يعرف الطريق الى المرمى، رغم وصوله إليها، بغضّ النظر عن الهدف الذي سجله في الشباك المشرّعة أمام الجزائر. ومشكلة أوزيل التهديفية هي مشكلة مزمنة، لكن ما يرهب أكثر أن ماريو غوتزه أصيب بالعدوى نفسها، وهو التائه في مركز المهاجم الوهمي الذي انهوس به لوف أيضاً باقتباسه لغوارديولا.
ويقيناً، لو سجلت ألمانيا نصف فرصها أمام الجزائر لكانت النتيجة قياسية، والدليل أن الألمان سددوا 28 مرة باتجاه رايس مبولحي وأصابوا مرماه في 21 محاولة، تصدى الحارس الجزائري لـ 19 منها، من دون إسقاط أن سوء اللمسة الأخيرة عند الألمان جعل الكرة تلاقي مبولحي مباشرة، على غرار الكرتين الرأسيتين لشفاينشتايغر وتوماس مولر، والانفراد الذي أهدره غوتزه في الشوط الأول.
أين جوليان دراكسلر، حيث المجال المفتوح للتسديد من بعيد؟ وأين ميروسلاف كلوزه عند الحاجة الى مهاجمٍ قناص وفعّال داخل منطقة الجزاء؟ وأين «الماكينات» مما قدّمته من أداء مخيّب أمام الجزائر؟
عطلٌ أصاب «ماكينات» ألمانيا، عطلٌ في البرمجة من قبل مهندسها. عطلٌ يجب إصلاحه قبل فوات الأوان.