24 عاماً بين 1970 و1994، لم تعرف فيه البرازيل طعم كأس العالم. 24 عاماً و«السيليساو» يتخبّط بفلسفات لعبٍ لا تشبه الكرة البرازيلية بمكان. 24 عاماً ذاق فيها البرازيليون المرارة في كل مونديال لعبوه حتى قَدِم كارلوس ألبرتو باريرا ووضع أسساً جديدة عام 1994 وطبع مع روماريو وبيبيتو ودونغا نجمة رابعة على القميص الأصفر.


في تلك المرحلة قضى كارلوس ألبرتو على كل ما يسمّى «الارتجالية» على أرضية الميدان، بحيث إنه ضبط فلسفة كل لاعب ووضع لها حدوداً. والأمثلة كثيرة على هذه النقطة، منها التعديل في المهمات الهجومية والدفاعية للظهيرين جورجينيو وبرانكو، وإدخال الانضباط على الثنائي الدفاعي مارسيو سانتوس والدايير، وإحداث التوازن في خط الوسط عندما أشرك زينيو ومازينيو صاحبي النزعة الهجومية في حالات معيّنة داخل المنظومة الدفاعية التي قادها دونغا وماورو سيلفا.
خلاصة الكلام أن أداء البرازيل بعد تلك الفترة ذهب ليكون مدروساً، وقد وصل إلى قمته في مونديال 2002 مع المدرب لويز فيليبي سكولاري الذي تنعّم وقتذاك بلاعبين يمكنهم الإسهام في الحالتين الدفاعية والهجومية وترك تأثيرٍ كبيرٍ فيهما، أمثال كليبرسون وجيلبرتو سيلفا.


عاث لاعبو
سكولاري فساداً باستراتيجيته


لكن الانفلات الذي عاشه المنتخب البرازيلي في كابوس «استاديو مينيراو»، إذا دلّ على شيء، فهو أن سكولاري لم يتمكن من لجم بعضٍ من لاعبيه الذين عاثوا فساداً بالاستراتيجية الموضوعة، ونفذوا كل شيء بطريقة معاكسة. لذا، لا يعقل أن يحمّل سكولاري كل المسؤولية عندما يندفع مارسيلو بجنون إلى الأمام وينسى اللحاق باللاعب المفترض عليه مراقبته على أرض الملعب، فتكون النتيجة هدفاً تماماً كما حصل في حالة الهدف السادس الذي سجله أندريه شورله للألمان.
انضباط الألمان قابله انتحار من الجهة البرازيلية، فكانت «الارتجالية» حاضرة بقوة في أداء دافيد لويز، الذي كان يتوقع منه أن يحمل «السيليساو» على كتفيه، لكنه كان عبئاً على زملائه، وخصوصاً عندما كان يخرج من منطقته بتهورٍ، ليذهب في مبادرات هجومية بطريقة غير محسوبة، كانت تنتهي عند «أقدام رجال المانشافت»، الذين لا يمزحون في المواجهات الثنائية والالتحامات البدنية.
فعلاً، أحسن داني الفيش عندما خرج قائلاً إنه يفترض البحث في هيكلية الكرة البرازيلية عموماً، إذ لا يجوز لبلادٍ صدّرت المواهب إلى مختلف أرجاء المعمورة، أن تقف عند لاعبَين اثنين. غياب نيمار طبعاً مؤثر من الناحية الهجومية، لكن الافتقاد لتياغو سيلفا كان قاتلاً، أقله بالنسبة إلى لويز، الذي انكشف تماماً بغياب توأمه في خط الدفاع، حيث ظهر وكأن الكابتن البرازيلي هو من كان يغطي زميله وجعله يظهر بصورةٍ طيّبة، قبل مباراة الثلاثاء، حيث بدا جليّاً أنه لا يملك القدرات القيادية.
قد يجد البعض الكلام على لويز بهذا الشكل مبالغاً فيه، وخصوصاً أنه انتقل حديثاً إلى باريس سان جيرمان الفرنسي بمبلغٍ قياسي (مبالغ فيه) بالنسبة إلى أي مدافع، لكن ألم يكن البرتغالي جوزيه مورينيو مدرب تشلسي الإنكليزي من كشف عن عورات لويز في الدفاع، واصفاً إياه بالمتهور، ومؤكداً إشراكه في خط الوسط - المدافع دونه خط الظهر؟
ذكي مورينيو، هو يحصل دائماً على اعترافات بعبقريته حتى لو كان غير مشاركٍ على مسرح الأحداث. لكن سكولاري سقط في فخ اختبار الذكاء، وفي الفخ الذي نصبه الألمان له. هو ومنتخبه بطبيعة الحال، حفروا الفخ لأنفسهم ورموا أنفسهم فيه، فباختصار كان انتحار خوض مباراة مفتوحة أمام «المانشافت» بغض النظر عن هوية اللاعبين الذين اختارهم ليكونوا معه في المونديال أو على أرض الملعب في تلك الليلة المشؤومة.