لا يحتاج المتابع إلى كثير بحث ومقاربات ومقارنات حتى يخرج بخلاصة أن الدوري الإيطالي فقد جاذبيته وقوته، وهو في انحدار مخيف في السنوات الأخيرة. فمقولة إن «المكتوب يقرأ من عنوانه» تنطبق فعلاً على الـ «سيري أ»، وهذا ما يوضحه بـ«الدليل القاطع» فشل نابولي، الذي يعد من أقوى فرق «الكالتشو» في العامين الأخيرين، قبل ثلاثة أيام في التأهل إلى دور المجموعات في دوري أبطال أوروبا، لتكون المحصلة الايطالية في المسابقة هذا الموسم فريقين فقط هما: يوفنتوس وروما.


نعم، صدقوا أن ثالث الدوري الإيطالي في الموسم المنصرم سقط في امتحان الدور الفاصل أمام أتلتيك بلباو الإسباني، رغم أن الأخير فقد الكثير من قوته في الآونة الأخيرة مع رحيل النجمين فرناندو لورينتي وخافي مارتينيز عن صفوفه، لتصاب الكرة الإيطالية بنكسة مبكرة وجديدة جاءت لتؤكد واقع الحال المزري بعد السقوط المدوّي للمنتخب الوطني في مونديال البرازيل بخروجه خالي الوفاض من دور المجموعات بخسارتين كانت «أفظعهما» أمام كوستاريكا.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فإن خير توصيف لحال كرة «الكالتشيو» هو الدوري الألماني تحديداً، وذلك لأن الأخير تمكن من سحب مقعد في الـ «تشامبيونز ليغ» من نظيره الإيطالي، وأثبت أحقيته وكفاءته في ذلك من خلال تصديره للمواهب الوطنية إلى البطولات الأخرى الكبرى، كما في انكلترا واسبانيا التي بات مجهر كشافيها مصوباً على ملاعب «البوندسليغا»، وتالياً فإن ذلك أنتج منتخباً قوياً تمكن من حصد لقب كأس العالم 2014 عن جدارة واستحقاق، أما في إيطاليا فلا شيء من هذا على الاطلاق.


لا يزال النجوم يحجمون عن ملاعب إيطاليا وآخرون يغادرونها

ولعل العنوان الذي خرجت به صحيفة «لا كورييري ديللو سبورت» صبيحة خيبة نابولي الأخيرة «ما هذه الصورة السيئة؟» ينسحب بالتأكيد على البطولة الإيطالية التي لم تعد قادرة على أن تنجب فريقاً واحداً قوياً على الساحة الأوروبية في السنوات الأخيرة، حتى إن يوفنتوس الأكثر جاهزية واحتواءً للنجوم والمواهب، فإنه بعيد كل البعد عن قوة المنافسة التي تقدمها فرق مثل ريال مدريد وأتلتيكو مدريد وبرشلونة الاسبانية وبايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند الألمانيين وتشلسي ومانشستر سيتي وأرسنال (يضاف اليهم ليفربول هذا الموسم) الانكليزية وباريس سان جيرمان الفرنسي.
وجه آخر يُبرز تراجع الدوري الايطالي وانكفاءه عن الاضواء هو إحجام نجوم «الصف الأول» عن الانتقال اليه، وهذا الامر ليس مردّه إلى ضعف العنصر المادي كما يذهب اليه البعض (علماً بأنه مشكلة سببها سوء الادارات في الأندية وبالإمكان إيجاد الحلول لها)، بل الى أسباب أخرى يأتي في مقدمها رواج الفساد والعنصرية في المكاتب والملاعب الايطالية، فضلاً، في مقابل ذلك، عن ازدياد رقعة التطور في البطولات الأخرى، التي باتت تجذب هؤلاء النجوم، وهذا ما أدى حتى إلى أن يفضّل العديد منهم الانتقال إلى الدوري الروسي أو التركي على الإيطالي!
تخيّلوا أن الاسباني الشاب ألفارو موراتا، الذي لم يجد له مكاناً في ريال مدريد، كان الصفقة الأبرز في الـ «سيري أ» بقدومه الى يوفنتوس. أما الحديث عن قدوم نجوم في «آخر أيامهم» كالفرنسي باتريس ايفرا الى «اليوفي» والانكليزي آشلي كول الى روما والصربي نيمانيا فيديتش الى انتر ميلانو، فإنه تأكيد إضافي أن الدوري الايطالي بات معقلاً لـ«العواجيز»، هذا فضلاً عن استمرار هجرة النجوم عن ملاعب «الكالتشيو»، وآخرهم ماريو بالوتيللي والمغربي مهدي بنعطية بعد تشيرو إيموبيلي.
«دوري العواجيز»، هو بالضبط الوصف الذي ينطبق على الـ «سيري أ». المسألة هنا لا تتعلق بسن النجوم فحسب، بل بضعف إنتاجية المواهب وترهل الفرق الكبرى، وفي مقدمها الكبيران ميلان وإنتر ميلانو اللذان طلّقا كل علاقة لهما بماضيهما المضيء، حتى بات البكاء «جائزاً عليهما».
قلنا فساد وعنصرية قبلاً؟ هذا الامر بات مفروغاً منه في ملاعب ايطاليا أكثر من غيرها، حيث يكفي فقط التوقف للدلالة على ذلك عند رجل اسمه كارلو تافيكيو المعروف عنه فساده، تحديداً في ما كشفه جينو كوريوني، رئيس نادي بريشيا السابق، عن أن تافيكيو أسهم في إيقاف مشروع كبير للنجم السابق روبرتو باجيو للنهوض بالكرة الايطالية عقب الخروج من دور المجموعات لمونديال 2010، وذلك من أجل مصالح شخصية ومساعٍ للوصول الى السلطة الرياضية المطلقة، وهذا ما حصل. أما عنصريته فاتضحت عندما وجّه عبارات مقززة للفرنسي بول بوغبا، نجم يوفنتوس، غير أنه تمكن رغم كل ذلك من الوصول الى سدة رئاسة الاتحاد الإيطالي لكرة القدم. نعم، صدقوا أن الرجل الاول في الكرة الايطالية حالياً ليس إلا فاسداً وعنصرياً!
بعد كل هذا المشهد، يبقى الحديث طبعاً عن المنافسة على لقب الدوري الايطالي هذا الموسم تفصيلاً غير ذي أهمية بالغة، هذا إن وجدت هذه المنافسة أصلاً، إذ ما يبدو واضحاً أن الصورة في الـ «سيري أ» لا تزال على الشكل الآتي: يوفنتوس، ونوعاً ما روما، في كفة، والبقية الباقية في أخرى.