شتّان ما بين مسعود أوزيل في ريال مدريد، وأوزيل في أرسنال. في إسبانيا كانت الابتسامة لا تفارق محيّا الألماني على أرض الملعب أينما تنقل على امتداد تلك البلاد. في غضون ثلاثة مواسم، تمكن أوزيل من الدخول إلى قلوب المدريديين، وراحت صوره تحتل، بكثرة، أغلفة الصحف الشهيرة في العاصمة الإسبانية، وفي مقدمها «ماركا» و»أس». هناك، في مدريد، مُنح أوزيل القميص رقم «10» وأُطلق عليه لقب «الساحر» وشُبه بنجم «الميرينغيز» السابق، الفرنسي زين الدين زيدان، حتى وصف بـ»زيدان الجديد».


... في لندن، لم يتغير المناخ واللغة فقط على الألماني عندما حل عليها في موسم 2013-2014 لاعباً في صفوف أرسنال مقابل مبلغ قياسي في تاريخ النادي بلغ 50 مليون يورو، والثاني في الدوري الإنكليزي بعد الإسباني فرناندو توريس من ليفربول إلى تشلسي، بل إن كثيراً في حياة أوزيل تبدل. غابت الابتسامة عن محيّا الألماني. لم يعد الساحر ولا «زيدان الجديد». لم يعد أوزيل حتى أوزيل. فقد اللاعب كل علاقة له بماضيه القريب، هو الذي لم يبلغ بعد الـ 26 من عمره.
وعندما نقول إنه لاعب في الـ 26 وذو إمكانات مدهشة تختزنها قدمه اليسرى الذهبية، وقد لعب في ريال مدريد وأبدع فيه على غرار تلك الليلة الشهيرة في إياب ربع نهائي كأس إسبانيا في ملعب «كامب نو» عندما تلاعب بنجوم برشلونة، وتحديداً الفرنسي إيريك أبيدال، كما لم يفعل لاعب قبله على الأقل منذ زيدان، ولعب مونديالَين (2010 و2014)، فإنما نحن نحكي هنا عن لاعب يُفترض أن يكون قد اختزن تجربة مهمة، وأن يكون في الفترة المثالية في مسيرته وفي شعلة نشاطه. إلا أنّ أياً من هذا ليس متوافراً حالياً في أوزيل. نحن أصبحنا في الوقت الحالي، ودون مبالغة، أمام شبح أوزيل. أوزيل في الملعب حالياً ليس إلا لاعباً شاحباً، مرهقاً، كثير الامتعاض والتعثر على العشب الأخضر. بتنا أمام أوزيل الذي يُخرجه «عرابه في لندن»، مدربه الفرنسي أرسين فينغر، في وقت الذروة في المباريات، وآخرها في الدقيقة 60 أمام بوروسيا دورتموند الألماني، الثلاثاء الماضي، في انطلاق دور المجموعات لدوري أبطال أوروبا لكرة القدم، بعد أن حل في لندن نجماً بدا، لوهلة ولفرط الحفاوة في استقباله على غرار وقوف الآلاف من جماهير «المدفعجية» خارج ملعب «الإمارات» وهم يرتدون قميصه، أنه «خارق للطبيعة».

يدفع أوزيل ثمن «الدلع» الذي أغدقه اللندنيون عليه


تخيلوا أن هذه الجماهير الآن، وبعد المباراة أمام دورتموند، طالبت أوزيل بأن يترك كرة القدم قاطبة وينتقل إلى العمل كسمسار سيارات. كيف لن تطلب ذلك ونجمها الذي بنت عليه الآمال الوردية كان عبئاً على فريقها أمام دورتموند؟ كيف لها أن لا تطلب ذلك وساحرها فقد سحره، ولم يصنع أو يسجل أي هدف في ثلاث مباريات لعبها منذ انطلاق «البريميير ليغ» هذا الموسم، وهو صائم عن التسجيل على مدى 623 دقيقة منذ الموسم الماضي؟
ماذا يحدث مع أوزيل؟ هذا هو اللغز الذي بات محيراً في لندن حالياً، والذي لم يتوانَ عن طرحه مواطنه، النجم السابق ميكايل بالاك، الذي خاض تجربة يمكن اعتبارها ناجحة في الملاعب الإنكليزية مع تشلسي. حتى إن النجم الألماني الآخر وصاحب الصولات والجولات في ملاعب الإنكليز بقميص ليفربول، ديتمار هامان، تطرق إلى ما يحدث مع أوزيل، مبدياً استغرابه، وساخراً حتى بقوله إنه لو لم يخرج الأخير في الدقيقة 60 أمام دورتموند، لما تنبّه المتابعون إلى وجوده في ملعب «سيغنال ايدونا بارك».
القول بأن أوزيل أخطأ بالرحيل عن ريال مدريد، ولا يلعب في مركزه الأصلي خلف المهاجم كصانع ألعاب، على ما ذهب إليه بالاك، لا يبرر مطلقاً هذا الانخفاض الرهيب في مستوى اللاعب. وكيف إذا كان المعنيّ هنا قادماً من البرازيل مطوقاً عنقه بذهب المونديال؟ من المفترض هنا أن يكون هذا اللاعب مفعماً بمعنويات لا نظير لها.
ما يحدث بالضبط مع أوزيل في ملاعب الإنكليز، أنه ـ ببساطة ـ يدفع ثمن «الدلع» الذي أغدقه اللندنيون عليه، أو بالأحرى، إن هؤلاء أسهموا بشكل أو بآخر في «أسطرة» هذا اللاعب قبل أن «يضرب ضربة واحدة»، ومن جهته فإن أوزيل لم يقصّر، و»نام على حرير»، ومن ثم، عندما استيقظ من الأحلام (على وقع الانتقادات) وجد نفسه أمام كابوس ومأزق حقيقي، فراح ـ رويداً رويداً ـ يفقد الثقة بإمكاناته، وهذا ما لم يألفه سابقاً في ألمانيا أو إسبانيا. ففي إنكلترا، لا مناص من أن يُعطي النجم، مهما بلغت نجوميته، كل ما لديه حتى آخر قطرة، وإلا فإنه معرّض لأن يكون تحت وابل «نيران كثيفة» من الانتقادات والسخرية، وكيف إذا كان هذا النجم يفتقر أصلاً إلى الشخصية القيادية والقتالية، تماماً كأوزيل؟ فهنا يصبح «فريسة» تُلتهم بسهولة.
ما هو واضح، أن أوزيل يبدو وحيداً في وجه العاصفة حالياً. حتى فينغر، المدافع عنه دوماً، وآخرها أمس، لن يبقى على هذه الحال في ما لو ظل الوضع على ما هو عليه. سيكون محرجاً حينها. وما هو واضح أيضاً، أن أوزيل يبدو أمام مفترق طرق خطير: إما ان يُخرِج «الوحش» الذي بداخله، أو أن يُخرَج، سريعاً، من لندن.