ذكريات كثيرة تجمع المانيا واسبانيا قبل مواجهتهما الودية الليلة. ذكريات تنسحب على العديد من اللقاءات التي حملت اسمي البلدين، اذ بعيداً من نزالاتهما النارية على صعيد الرجال، وقفت منتخبات البلدين وجهاً لوجه في محطات حاسمة اقله في الاعوام العشرة الاخيرة. غالبية هذه المحطات حُسمت فيها الامور لمصلحة الاسبان، الذين توّجوا تفوقهم على الالمان سريعاً على صعيدي الرجال، وتحديداً في كأس اوروبا وكأس العالم، ضمن حربهما الباردة التي لم يشعر بها كثيرون.


وعند هاتين المناسبتين توقف الالمان كثيراً، اذ بلا شك، وبرغم كل تلك التصريحات التي تسقط عامل الثأر، فان «المانشافت» لا يزال يتذكر طعم مرارة الهزيمة امام اسبانيا في المباراة النهائية لكأس اوروبا 2008، اضافة الى تلك السقطة المؤلمة في نصف نهائي كأس العالم 2010، في وقتٍ كان فيه الالمان في مستوى يخولهم احراز نجمة رابعة.
تلك النجمة الالمانية الرابعة انطبعت في ذاكرة الاسبان قبل اشهرٍ قليلة. كيف لا، وفي مونديال البرازيل سحب الالمان البساط من تحت منتخب «الغضب الاحمر» الذي اعلن نهاية جيلٍ بعد الخروج المخيّب والمبكر من الحدث العالمي، ليسلموا عرش العالم الى من سبقهم الى تسيّده في ثلاث مناسبات.

لطالما عاش
الالمان والاسبان حرباً باردة في الاعوام
الاخيرة

الذكريات تبقى ذكريات ولو ان الطرفين يحملانها معهما الى فيغو الليلة، اذ ان الالمان في موقفٍ تتشابه اهميته مع تلك التي عرفوها خلال محاولاتهم المتكررة لاسقاط الاسبان في الاعوام الاخيرة. اليوم المانيا هي بطلة العالم، وبالتالي فان سمعة الكرة الالمانية على المحك. لا بل الاهم ان منتخب المانيا يقف حالياً امام فرصة العمر لتأكيد انه سيّد هذا الزمن وانه تخلّص من العقدة الاسبانية، لا بل انه دفنها الى غير رجعة.
ببساطة، يشعر الالمان بانه برغم فوزهم على فرنسا والبرازيل والارجنتين في المونديال الاخير، فان السلسلة لا تزال منقوصة لعدم وجود الاسبان ضمنها، فتثبيت صورة البطل تمرّ من بلاد الاندلس.
نعم، الفرصة متاحة لألمانيا لإرجاع اسبانيا سنوات الى الوراء، او بالاحرى لدفن مشروعها الجديد في مهده، وخصوصاً بعدما شرع المدرب فيسنتي دل بوسكي في عملية التجديد المفترض ان ترفع المنتخب الاسباني مجدداً الى واجهة الكرة العالمية.
لقد بات واضحاً ان «لا فوريا روخا» تغيّر كثيراً بعد الحملة المونديالية الفاشلة، التي اجبرت دل بوسكي على التخلي عن اسماءٍ عدة، اضافة الى الفلسفة الاقوى في الكرة الاسبانية اي الـ «تيكي تاكا»، التي خرجت نهائياً من الحسابات لمصلحة فلسفة اخرى ترتكز على اللعب السريع والمباشر.
اذاً، ومع خروج العديد من الوجوه التي رفعت المنتخب الاسباني الى السماء في الاعوام الستة الاخيرة، يلعب الاسبان امام الالمان ببقايا منتخبٍ بطل، فاز منذ تتويجه في البرازيل بمباراتين من اصل خمس خاضها، لكنّ هذه المباراة تعنيهم كثيراً لانها فرصة لحفظ ماء الوجه نسبياً او اقله لقول كلمة مجدداً على الساحة الدولية، وهي كلمة تصر على بقاء اسبانيا كبيرة بين الكبار.
لكن وكما هي الفرصة متاحة للالمان فانها متاحة للاسبان لانهم يواجهون «شبح» المنتخب الذي توّج بطلاً للعالم، وينطبق عليه وصف بقايا منتخبٍ بطل، تماماً كما انطبق على نظيره الاسباني، اذ ان «المانشافت» خسر الكثير من رصيده بعد مونديال البرازيل، اولاً بسبب اعتزال مداميك اساسية في تشكيلة المدرب يواكيم لوف، على رأسهم الرجل الذي لا بديل له على الصعيد الفني او القيادي اي فيليب لام. اما ثاني الاسباب فهو ان التشكيلة الاساسية اصبحت مهشمة الى حدٍّ بعيد مع تفاقم مشاكل الاصابات التي ابعدت الاكثرية الساحقة من اوراق لوف، كان آخرها لاعبان نادراً ما سقطا من الحسابات اي الحارس مانويل نوير والمدافع جيروم بواتنغ.
الحسابات التي تفرزها الذكريات والتراكمات بين المانيا واسبانيا كثيرة، لكن كلا المنتخبين يعلم تماماً ان لقاءً من هذا النوع لن يقدّم او يؤخّر ولن يؤثر في حاضرهما او مستقبلهما، لا لانه يحمل العنوان الودي بل لانهما لا يدخلانه بكامل عتادهما. نتيجة لقاء الليلة ستكون مجرد تسجيل نقطة في خانة الفائز، والتصريح له بأن المستقبل سيكون ملكه، وخصوصاً ان الحديث كلّه بدأ يتمحور منذ اليوم عن كأس أوروبا 2016، مع اطلاق عددٍ من نجوم «المانشافت» و»لا فوريا روخا» تصريحات علنية حول طموحاتهم الواسعة بتسيّد «القارة العجوز».